نوافذ

الخميس 03 ديسمبر 2020م - 18 ربيع الثاني 1442 هـ
نوافذ

وارتفع نداء الحق من آيا صوفيا

أذكر أني في أثناء غربتي الطويلة خارج مصر ،وتحديداً في صيف عام 1993م ، أني زرت مدينة استانبول التركية . فحرصت على أن أزرو " مسجد آيا صوفيا " ذلك الصرح الإسلامي العظيم الذي ظل منارةً للتوحيد قرابة خمسمئة عام ، إلى أن قرر أتاتورك في عام 1934م أن يحوله إلى متحف ويمنع الصلاة فيه . فلما دخلت ذلك المكان أخذتني رهبة شديدة ، واختلطت عندي مشاعر الفخر بأسلافنا وما حققوه من الفتوحات ،والانتصارات بمشاعر الحزن والأسى على ما وصل إليه حال المسلمين من الضغف والانحطاط . حتى إن قراراً  كذلك القرار لذي اتخذه ذلك " الرجل الصنم " يبقى نافذاً بعد موته بعشرات السنين ،ولا يجرؤ أحد ممن جاء بعده على إلغائه وإعادة الأمر إلى نصابه .
ولقد حدثني صديق لي كان مرافقاً لي في تلك الزيارة ،أنه قرر ذات يوم تحدي ذلك القرار الظالم ،فما كان منه إلا أن رفع الأذان في داخل متحف ( مسجد ) آيا صوفيا ، لكنه ما انتهى من أذانه حتى كان رجال الشرطة قد أحاطوا به ،واقتادوه إلى المخفر ، وبعد تحقيق طويل أفرجوا عنه ، لأنهم قدَّروا أنه أجنبي يجهل قوانين البلاد التي تُجرِّم ما فعل ، ولولا ذلك ما تركوه .
وإني لأتذكر الآن ذلك الموقف ،حامداً الله سبحانه وتعالى شاكراً إياه على نعمائه . مذكراً نفسي وإخواني بما ذكره الأقدمون من أنه من المحال دوام الحال . وبأن الله سبحانه يرسل لنا بحكمته بين الفينة والفينة شيئاً من المبشرات التي ترفع الهمم ، وتفتح أبواب الأمل ، وتبين لنا أن الله تعالى يُعين الساعين في نصرة دينه ،ولو كانت إمكاناتهم محدودة . ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) .[ الحج: 40]
على أنه مما يتعلق بهذا الأمر أن نشير إلى أنه كان من ضمن قرارات أتاتورك الرامية لتكريس العلمانية ومحاربة الروح الإسلامية ، أنه قرر أيضاً منعَ الأذان باللغة العربية ، فبقيت المساجد التركية ترفع الأذان باللغة التركية لمدة ثماني عشرة سنة ، من سنة 1932 إلى سنة 1950م حيث عاد الأذان باللغة العربية ، وذلك حين تولى عدنان مندريس رئاسة الوزارة ، إلا أن القوى العلمانية المعادية للإسلام وقفت لمندريس بالمرصاد، وقام الجيش التركي بانقلاب عسكري ،وتمت محاكمة مندريس ومن معه محاكمة صورية ، وتم إعدامه سنة 1960 ، بزعم أنه كان يعتزم قلب النظام العلماني، وتأسيس دولة دينية إسلامية ، ولأجل هذا لقبه بعضهم بعد موته بشهيد الأذان .
ولقد تساءلت كثيراً : كيف استطاع مندريس وحزبه إلغاءَ قرار منع الأذان باللغة العربية ، في حين أنهم لم يستطيعوا الاقتراب من قرار تحويل آيا صوفيا إلى متحف ؟ وفي جواب ذلك التساؤل ذكر لي بعض العارفين بالشأن التركي شيئاً يتعلق بمندريس نفسه ، وأنه لم يكن يزعم أنه يمثل توجهاً إسلامياً خالصاً . ثم ذكر لي سبباً آخر رأيت ما يؤكده هذه الأيام؛ حيث ذكر أن موضوع الأذان باللغة التركية يكاد يكون شأنا تركياً داخلياً يتعلق بحكم من أحكام العبادات الإسلامية التي لا تهم المجتمع الدولي في شيء .  ، أما موضوع مسجد آيا صوفيا فهو موضوع له أبعاده الدولية الخطيرة ، ولا يمكن أن تمرره قوى الغرب مرور الكرام  ، لذا لم يجرؤ مندريس ولا غيره على الاقتراب منه .
ومصداق هذا الكلام هو ما رأيناه مؤخراً من الحملات الغربية الشرسة على قرار إعادة الصلاة بمسجد آيا صوفيا ، وبخاصة حكومة اليونان التي نددت بذلك القرار واعتبرته بحسب تعبير رئيس وزرائها "استفزازا علنياً  للمجتمع الدولي" . والعجيب أن هؤلاء المعترضين لا يذكرون شيئاً عن مئات المساجد التي هُدِّمت أو حُولت إلى كنائس في بلاد الغرب ، وذلك في البلاد التي كانت تابعة للدولة العثمانية ،ثم أجبرت على تركها كما في منطقة البلقان وغيرها . وقد ذكرنا في مقال سابق أن مساجد غرناطة تحولت إلى كنائس على يد الأسبان ،وذلك رغم أن الاتفاقية التي سلم بموجبها أبو عبد الله الصغير غرناطة لهم تنص صراحةً على بقاء المساجد كما هي بيد المسلمين . كما أن القاصي والداني يعلم مدى الدمار والخراب الذي لحق بمساجد المسلمين في البوسنة والهرسك على يد الصرب في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ، وذلك على مرأى ومسمع من العالم كله .
ثم إذا صح ما ذكرته الحكومة التركية مؤخراً من أن محمد الفاتح رحمه الله حينما فتح القسطنطينية آلت إليه أملاك الأسرة البيزنطية ، فأصبح مالكاً للعقارات المسجلة باسم تلك الأسرة ، ومنها آيا صوفيا ، وأنه على هذا الأساس القانوني وَقَفَ ذلك المكان ليكون مسجداً . وكتب بذلك حجة لا تزال محفوظة في سجلات الحكومة التركية إلى اليوم ، وفيها أنه لا يجوز لأحد أن يغير تلك الوقفية ، وأن من غيّر شيئاً منها فإن " عليه لعنة الله والنبي والملائكة والحكام وكل المسلمين أجمعين "، أقول إن صح هذا فإنه يعطينا دليلاً إضافياً على ما ذكرناه سابقاً من صحة قرار إعادة فتح مسجد آيا صوفيا . نسأل الله تعالى أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً ، وأن يعيد إلينا المسجد الأقصى المبارك ، وغيره من مساجدنا السليبة . إنه ولي ذلك والقادر عليه .
عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمي
20 من ذي القعدة 1441هـ- 11/ 7/ 2020م
 

إقرأ ايضا