نوافذ

الأحد 24 يناير 2021م - 11 جمادى الثانية 1442 هـ
نوافذ
ADS

من معاني النصر في الهجرة النبوية

ADS
يقول الله تعالى مذكراً بنعمته على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ،يوم هجرته من مكة إلى المدينة : ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم). [ التوبة 40 ].
إنَّ من أهم ما تشير إليه الآية الكريمة بيانَ أن حادث الهجرة كان نصراً من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم .ولا ريب أن أول معاني النصر هنا هو إنجاء الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وعدم تمكين المشركين منه، وهو ما يذكره المفسرون غالباً عند هذه الآية.
ولكن اعتبار الهجرة نصراً يدخل فيه -والله أعلم- ما مثَّلته الهجرة من نقلة نوعية في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث كانت بدايةَ تأسيس دولة الإسلام التي لا عز للمسلمين إلا بوجودها والانضواء تحت لوائها، ثم ما واكب ذلك من مشروعية الجهاد في سبيل الله، وما تلا ذلك من الوقائع التي نصر الله فيها رسوله والمؤمنين، إلى أن كان الفتح الأعظم ، حيث دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً منتصراً بعد ثماني سنوات فقط من خروجه منها غريباً طريداً . وقد أشار ابن عطية في تفسيره إلى نحو من هذا ،حيث ذكر أن قوله تعالى : ( فأنزل الله سكينته عليه ) ليس خاصاً بيوم الغار ، فقال رحمه الله : ( ويحتمل أن يكون قوله: (فأنزل الله سكينته) إلى آخر الآية يراد به ما صنعه الله لنبيه إلى وقت تبوك من الظهور والفتوح، لا أن تكون هذه الآية تختص بقصة الغار والنجاة إلى المدينة، فعلى هذا تكون الجنود الملائكة النازلة ببدر وحنين...).[المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز:( 6/500)].
إن من أهم ما ينبغي أن يستقر في يقيننا جميعاً حقيقةَ أنَّ الله ناصرٌ دينَه وأولياءَه، وإنْ خذلهم الناس وتخلَوْا عنهم ، فقد حمى الله رسوله وكفاه يوم الهجرة حين لم يكن يملك من مقومات القوة المادية شيئاً، (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ) [ الزمر:36]. وإن التأمل في هذا المعنى ليملأ قلوب المستضعفين بالثقة في نصر الله تعالى لهم، وإنْ تكالبت عليهم الدنيا بأسرها؛ فالله تعالى قد تكفل لعباده وخواص أوليائه بالنصر في الدنيا والآخرة (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) [غافر: 51]، (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز).[المجادلة:21].
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مستشعراً تلك المعاني ،وهو يقول لأبي بكر رضي الله عنه : ( لا تحزن إن الله معنا )، إذ المعية هنا هي المعية الخاصة المتضمنة للنصر والحفظ والتوفيق ، تلك المعية التي استمرت معهما بعد ذلك ، وبها ثبَّت اللهُ أبا بكر حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ،وذلك حين ارتد من ارتد من العرب ، ومنَعَ الزكاة مَنْ منَعَ ،فوفَّق الله أبا بكر لأن يقف موقفه الصلب ، في نصرة دين الله والمقاتلة من أجله ؛حتى قال قولته الشهيرة : ( والله لو منعنوني عَناقاَ كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ) .[ أخرجه البخاري ( 1399) واللفظ له، ومسلم (20) من حديث أبي هريرة ]. بل أصر قبل ذلك على إنفاذ بعث أسامة بن زيد الذي كان قد جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته لقتال الروم ،مع كون المسلمين في ذلك الوقت كانوا في حال شدة وكرب ، حيث ارتدت العرب ،كما يذكر ابن كثير في البداية والنهاية : ( إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة ، ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية ، والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ; لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم ، وقلتهم ، وكثرة عدوهم ) . وقد أشار عليه بعض الصحابة أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم ،لكنه رضي الله عنه أبى إلا أن ينفذه قائلاً : ( والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولو أن الطير تخطفنا ،والسباع من حول المدينة ،ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة )،فكان خروج الجيش في ذلك الوقت كما يقول ابن كثير :( من أكبر المصالح والحالة تلك ،فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أُرعبوا منهم ،وقالوا: ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة ). [ البداية والنهاية: 6/308].
هذا وقد التفت القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن : ( 2/ 513) إلى قوله صلى الله عليه وسلم : (إن الله معنا)، مقارِناً ذلك بقول موسى عليه السلام : ( إن معي ربي سيهدين ) ، وذلك بعد خروجه بقومه من مصر واتباع فرعون بجنوده لهم ،كما قال تعالى : (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمُدْركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين).[ الشعراء: 61-62]، حيث نقل ابن العربي عن بعضهم قوله: ( لا جرم لما كان الله مع موسى وحده ارتد أصحابه بعده، فرجع من عند ربه، ووجدهم يعبدون العجل. ولما قال في محمد صلى الله عليه وسلم : (إن الله معنا)، بقي أبو بكر مهتدياً موحداً، عالماً عازماً، قائماً بالأمر لم يتطرق إليه اختلال).
لكن يَرِدُ على هذا الكلام أنه قد كان في قوم موسى هارونُ عليه السلام، ومعيةُ الله له حاصلة بلا شك. وربما كان جواب ذلك والله أعلم أن يقال :إنما قال موسى عليه السلام : (إن معي ربي) لأنه لو قال: إن الله معنا، لدخل في ذلك كل بني إسرائيل، وكذلك ربما قصد موسى عليه السلام بالمعية هنا، معية أخص من مجرد النصر والتأييد، وهي معية إلهامه كيف ينجو بقومه، ولذلك قال: (إن معي ربي سيهدين) أي إلى كيفية النجاة ،وهذه المعية خاصة بموسى لا يظهر من النصوص القرآنية مشاركة هارون له فيها ، بل كل الآيات التي فيها الأمر بضرب البحر بالعصا كانت موجهة لموسى وحده. فأما معية الثبات على الحق ،فلا شك أنها كانت ثابتةً لهارون عليه السلام ، فقد بقي ثابتاً على الحق لما عبد قومُه العجل ، بل أمرهم بترك ذلك ،ولكنهم لم يستجيبوا لقوله كما هو معلوم من نصوص القرآن الحكيم.
وأخيراً : فإن من معاني النصر فيما يتعلق بهجرة الصحابة من مكة إلى المدينة ما يمكن أن نطلق عليه انتصار العقيدة على رغبات النفوس ،وما تشتهيه وتتمناه ، وهو ما نلمسه جلياً في كونه صلى الله عليه وسلم قد منع المهاجرين من العودة إلى سكنى مكة ،وذلك بعد أن فتحها الله عليهم وصارت دار إسلام، وذلك رغم أنها بلدهم الأصلي ،وأنها فوق ذلك خير البلاد ،كما في قوله صلى الله عليه وسلم مخاطباً مكة : ( والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليَّ، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت). [ أخرجه أحمد (4/305) والترمذي (3921) وابن ماجه (3108) من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء، وقال الترمذي حسن صحيح ] . لكن كان صلى الله عليه وسلم يريد لأصحابه أن تتم لهم هجرتهم ،فلا يرجعوا في صفقتهم التي عقدوها مع الله عز وجل ،وكان يدعو الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم ويتأسف على من مات منهم بمكة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : (اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكنْ البائسُ سعدُ بن خَوْلة، يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة). [ أخرجه البخاري (3936) ومسلم(1628) من حديث سعد بن أبي وقاص]. وفي ذلك من الدلالات أن الإسلام يريد من بنيه أن يُقدِّموا ولاءهم لعقيدتهم على كل ولاء ،وحُبَّهم لله ورسوله على كل حب ،ولو كان حبهم لأهليهم وأوطانهم وأموالهم ،كما قال تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) . [ التوبة: 24].
عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
29/ 12/ 1441هـ- 19/ 8/ 2020م
 

إقرأ ايضا