نوافذ

الإثنين 30 نوفمبر 2020م - 15 ربيع الثاني 1442 هـ
نوافذ

مفتريات أحمد كريمة على ابن تيمية

شاهدت مقطعاً للدكتور أحمد كريمة في برنامج العاشرة مساءً ،يتحدث فيه عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، حيث ذكر أن ابن تيمية له إيجابيات وسلبيات ، ولكن سلبياته – بحسب زعم كريمة- أكثر من إيجابياته بكثير . وفي سياق ذكره لسلبيات ابن تيمية المزعومة ذكر كثيراً من الأكاذيب والافتراءات التي ما زال خصوم الإمام ابن تيمية رحمه الله يرددونها وينقلها بعضهم عن بعض ،رغم أن كثيراً من المنصفين قد ردوا على تلك الافتراءات وبينوا زيفها من قديم .
وقد كنت أود تتبع كل تلك الأكاذيب والافتراءات والرد عليها ، ولكن نظراً لضيق الوقت ، وخاصة في هذه الأيام المباركة - العشر الأواخر من رمضان - فإني أكتفي بفرية واحدة مما ذكره أحمد كريمة ، وهي ادعاؤه أن من سلبيات ابن تيمية أنه كان يقول بالخروج على الحكام . والمقصود بطبيعة الحال مسألة الخروج على حكام الجور بقتالهم وسل السيوف عليهم ،وإن كان هو –أي أحمد كريمة- قد ذكر لفظةً لا أدري ماذا يقصد به حيث قال إن ابن تيمية يرى الخروج على الحكام "الموالين ". فلا أدري ماذا يقصد بوصف الموالين ، ولكن المعروف في كتب الفقه والتفسير وغيرها أن الكلام في هذه المسألة يتعلق بالخروج على الحكام الظلمة ، وأن في ذلك خلافاً مشهوراً بين أهل العلم منذ عصر الصحابة والتابعين ،ومن بعدهم . ولست أريد الخوض في تفصيل هذا الخلاف الآن . وإنما الغرض بيان كذب أحمد كريمة في هذا الذي ادعاه على شيخ الإسلام ابن تيمية .
وقد فكرت أول الأمر أن يكوني ردي من خلال إثبات بعض أقوال ابن تيمية ومواقفه التي تثبت بطلان هذا الافتراء ، وأنه كان في هذه المسألة على رأي إمامه أحمد بن حنبل في المنع من قتال أئمة الظلم والبغي ،لأدلة يرى أنها تدل على ذلك ،ولما يترتب على ذلك الخروج المسلح من الفتن والمفاسد .
لكني تذكرت شيئاً هو أهم من نقل نصوص ابن تيمية وتوثيقها . ألا وهو أني كنت قرأت لأحمد كريمة كتاباً منذ فترة ليست بالبعيدة  يقول فيه بجواز ، بل ربما وجوب الخروج على الحكام ، فآثرت أن يكون ردي أولاً من خلال نقل نصوصٍ من هذا الكتاب ،تدمغ هذا الرجل وأمثاله وتفضح ما يدندنون به . الكتاب عنوانه : جماعة الإخوان رؤية نقدية فقهية، الطبعة الثانية 2014م ، وفيه يقول ( ص: 213 ) ما نصه : ( إن السياسة الحقيقية عند المسلمين ليست خضوعاً وخشوعاً للحاكم ،كما يريد لها البعض أن تكون الآن بالتصريح والتلميح ، حفاظاً على مصالحهم ، لذلك يغرقوننا بفتاوى منحولة أو مكذوبة لإخضاع الناس .فها هو أبو حنيفة يستحب أو يوجب على روايتين مواجهة الحاكم الظالم الفاشل ، وكذا كان موقف الإمام مالك فأفتى الناس بالخروج على أبي جعفر المنصور وخلعه ومبايعة محمد النفس الزكية الذي خرج بالسيف ، رغم مبايعتهم لأبي جعفر المنصور ؛ لأن بيعتهم لأبي جعفر المنصور كانت تحت الإكراه ... والحق أن إجماعاً بين العلماء على جواز الخروج على الحاكم الطاغي الباغي أو الفاشل ، أمر وجود ( كذا بالكتاب المذكور ) هو الثابت المتعارف عليه بين العلماء ، فقد نصت كتب المذاهب على نصوص لثلاثة من الأئمة ،هم الإمام أبو حنيفة النعمان ،والإمام مالك ،والإمام الشافعي يجيزون الحروج على الحاكم الظالم الجائر ، وإذا كانوا – يقصد الإخوان- يأخذون برأي بعض الحنابلة ،فمصر ليست دولة مذهبية حتى يقدموا هذا الرأي على أنه وحده الدين .... ) إلى أن قال ص: 220 : ( إذا علم هذا  يجب فقه أن نصوص الوفاء بالبيعة  للحاكم وعدم الخروج عليه تكون للحاكم الصالح العدل ، أما من خان ورشا واحتال وخدع وأوجد طائفية بغيضة ،ويُعرض وبطانته مصالح الوطن العليا للخطر والضرر فلا خضوع وخنوع له ) .  
ونحن نفهم بطبيعة الحال أن هذا الكلام مقصود منه بيان صحة ما حدث في مصر في صيف 2013م . ولكن بما أنه قد ذكر ذلك القول على أنه القول الفقهي الصحيح ، فلِمَ إذن يعتبر أن من سلبيات ابن تيمية أنه قال به  ؟ وذلك بافتراض أن ابن تيمية قد قال حقيقة بذلك القول .
إني لا أجد معنى لهذا المسلك من هذا الرجل وأمثاله إلا أنه نوع من الكيل بمكيالين ، وأنه يتعامل مع أقوال الفقهاء بانتقائية عجيبة ، فحين يكون القول متمشياً مع هواه المذهبي والسياسي ، يفرح به ويعتبره الحق الذي ما بعده إلا الضلال ، وحين يكون نفس القول مخالفاً لهواه يعتبره سلبية من السلبيات . وما أجدر من هذا شأنه أن يقال له ما يروى عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : ( لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه ،ويخالفه إذا خالف هواه ؛ فإذن أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق ،وتعاقب على ما تركته منه ) .
وأما كون أحمد كريمة قد كذب على ابن تيمية وافترى عليه حين نسب إليه أنه كان يقول بالخروج على الحكام  ،فإن ذلك يتضح كما ذكرنا سابقاً بالرجوع إلى أقواله في كتبه وفتاواه ، وهي كثيرة بحمد الله . فمن  ذلك ما ذكره في معرض حديثه عن الصحابة الذين اعتزلوا ،فلم يقاتلوا مع علي رضي الله عنه يوم الجمل وصفين ، حيث ذكر أنهم مع إقرارهم بصحة خلافة علي رضي الله عنه ، إلا أنهم رأوا أن ذلك قتال فتنة ، وأن الأمر بقتال الفئة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان ، ثم قال رحمه الله : ( ويشهد لذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بظلم الأمراء بعده ، ونهى عن قتالهم ؛لأن ذلك غير مقدور ؛إذ مفسدته أعظم من مصلحته ) [ مجموع الفتاوى: ( 4/ 443) ]  ، وقال : (... ولهذا كان مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بر، أو يستراح من فاجر). مجموع الفتاوى ( 4/ 444).
وقال رحمه الله  في منهاج السنة النبوية: ( 4/ 529) : (  كان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر ،وسعيد بن المسيب ،وعلي بن الحسين ،وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة، للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين ) .
ثم إن المعروف للقاصي والداني أن ابن تيمية قد أفتى بوجوب قتال التتار، وشارك بنفسه في قتالهم ، فمع مّن كان يقاتلهم ؟ أليس مع حكام عصره من المماليك ،وتحت رايتهم . ومعلوم أن أولئك الحكام لم تكن أحوالهم تخلو من الظلم والفساد ، فلو أن ابن تيمية  كان يرى الخروج عليهم ، لما قاتل معهم . بل الثابت من تاريخه رحمه الله أنه كان يستحثهم على قتال التتار ، ويُذكِّرُهم بما يجب عليهم من نصرة الدين والذود عن حياض الإسلام ، كما فعل مع سلطان مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون حين تقاعس عن الخروج إلى بلاد الشام لصد الغزو التتري عليها في سنة سبعمائة للهجرة ،فقد جاءه من بلاد الشام يذكره بأن بلاد الشام داخلة تحت سلطانه ،وأن عليه أن يخرج بجنده لنجدة أهلها ،وقال له : ( وإلا أقمنا له سلطاناً يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن ) ، ثم لم يزل بالسلطان ومن معه ، كما يقول ابن كثير حتى جُردت العسـاكر إلى الشام ثم قال لهم : ( لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه ،واستنصركم أهله وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسئولون عنهم ) .[ البداية والنهاية ( 14/15-17 ) ].
وأخيراً : فإني أُذكِّر بأن قتال ابن تيمية للتتار لا علاقة له بمسألة الخروج على أئمة الجور ،بل إن فتواه في قتال التتار كانت مبنيةً على أنهم قوم اعتدوا على بلاد المسلمين ،وأنهم انتسبوا للإسلام ونطقوا بالشهادتين ،لكنهم أبوا أن ينصاعوا لأحكام الشريعة ،فهم طائفة ذات شوكة قد امتنعت عن التزام بعض شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة ، فوجب قتالها لأجل ذلك الامتناع ، كما قاتل أبو بكر رضي الله عنه مانعي الزكاة ، وكما قاتل عليٍّ رضي الله عنه الخوارج ، وقد بين ابن تيمية ذلك كله بالتفصيل في مجموع الفتاوى ( 28 / 502 وما بعدها)  .
عبد الآخر حماد
27/ 9/ 1441هـ- 20/ 5/ 2020م


 

إقرأ ايضا