نوافذ

الأحد 28 فبراير 2021م - 16 رجب 1442 هـ

عطل "الأسانسير" والدفء الإنساني!

الأسانسير (المصعد الكهربائي) آلة حيوية بالطبع كباقي الآلات المهمة والمفيدة جدًا لتسهيل أمور وحياة البشر، والجميع يعرف أهميتها الكبرى فى معظم المباني السكنية والمنشآت العامة وغيرها وخصوصًا للأدوار العليا.

وفي ظروف طارئة وغير معتادة، ولا تحدث إلا نادرًا تعطل مصعدا البناية السكنية التي أقيم فيها، حيث أسكن في الطابق الحادي عشر، في مدينة  صغيرة من مدن أوربا، تعج بالأجانب من مختلف جنسيات العالم.
 
في بناية كبيرة الحجم كالتي أقطن فيها بها أكثر من 70 شقة سكنية ويصل ارتفاعها إلى  13 طابقًا، فإن تعطل المصعد خصوصًا لساكني الأدوار العليا، يعد أمرًا كارثياً بطبيعة الحال.

جميع السكان كانوا مُكدرين وغاضبين من هذا العطل المفاجئ، وكان البديل  الطبيعى أو الخيار الوحيد هو أن يصعد أو ينزل الجميع مستخدمين السُلم -الدَرَج - فليس هناك بديل غير ذلك، وهنا تحت ضغط  "الحل الوحيد" ىتستسلم الجميع لهذه التجربة المريرة، وليس عن طيب خاطر بالطبع... وهنا بَدأت رحلة الرصد التى أجبرتني أن أُوُلىِ لها اهتمامًا خاصًا.

فقد لاحظت أمورًا لم ألحظها من قبل وأنا أصعد بالأسانسير، رأيت وجوهًا غريبة وكنت أظن أنها وُجوه زائرة، لكن اتضح لي أنها وجوهٌ مقيمة معنا فى نفس البناية السكنية!، فتعجبت بالرغم من أنني أقيم في هذه البناية منذ 8أعوام كاملة 

لاحظت أيضًا كيف كان الجميع فى ودٍ وحميمية مع بعضهم البعض أثناء الصعود سويًا، أو النزول في نفس التوقيت باستخدام السلم الداخلي للبنابة السكنية، وتبادل بعضهم البعض أطراف الحديث بدون تكلف وعلى غير العادة، وتحت ضغط الضرورة. 

أصبح الجار الذي ينظر بنظرة ضيق وحنق لكل جيرانه في المصعد الكهربائي، أقل حدة وضيقًا بالرغم من صعوبة الموقف الذى من الممكن جدًا أن يزيد حالة الغضب لديه في رحلة الصعود أو النزول، ولكن كانت النتيجة على العكس تمامًا، كان هناك استسلام تام للأمر الواقع والتعايش الإجبارى مع هذا الوضع الطارئ.

أيضًا، لاحظت الشباب الذى كان لا يبالي بالعجائز ولا يبالي بأي شيء أكثر ميلاً إلى مساعدة هؤلاء العجزة، وغيرهم من السكان، ويعرض حمل أغراضهم بكل ألفة وود، على خلاف العادة. 

أصبح هناك وقت متاح نتحدث فيه مع بعصنا البعض حتى وإن كان الظرف في حد ذاته مُجهدًا ومتعبًا للجميع من صعود الدرج، للأدوار العليا أو حتى النزول منه، كانت هناك حالة من الود واللطافة والتقارب بين الجيران غير معهودة ومألوفة لم أعهدها من قبل فى رحلتي بالصعود بالآلة الحديدية "المصعد".

كان الرابط الوحيد بين مستخدمى المصعد بعضهم ببعض التحية العادية (أهلاً) بطريقة روتينية جافة لا تعبر عن أي روح أو  ود أو أي اهتمام، ومن ضمن ما لاحظت أيضًا أن من كانوا يشتكون من كثرة وارتفاع الصوت والصخب الدائم من الجميع، باتوا أقل مطالبة بخفض الصوت الذى يزعجهم ويشكون منه بصفة مستمرة!! 

وحتى من لديهم توجس من الأطفال ومشاغباتهم أصبحوا أكثر لطفًا وودًا، يتوددون معهم ويتحدثون معهم ويوجهون لهم النصح والتوجيه. ولاحظت أيضًا من لا يتقبلون الحديث مع الأجانب عمومًا ومن أصحاب البشرة الداكنة من الأفارقة خصوصًا، رصدت أن التحفظ فى الحديث قل بنسبة كبيرة. وأصبح المتأفف من وجود عدة لغات وجنسيات في المصعد الواحد  ولا يريد أن يلقى حتى التحية أصبح على غير المعتاد، يبادر بالحديث والسؤال عن المشكلة ومتى ستنتهي؟ وهو أكثر هدوءًا وترحابًا على غير العادة، ولم يكن جل الحديث ببن جميع السكان عن مشكلة  عطل المصعد،  ولكن يبدأ الحديث بها ثم يبادرون إلى أي موضوع آخر للحديث فيه بكل إسهاب وراحة.

 

لفتت انتباهي بشدة كل هذه الأشياء والملاحظات عبر رحلة الصعود الشاقة علي الدَرج بين طوائف عديدة من السكان يمثلون فئات وشرائح عديدة من المجتمع ككل، وأيقنت إن كل ما شهدته ولاحظته ورصدته عبر بضع ساعات بين صعود وهبوط مع كل جيراني له دلالة معينة وعميقة، 

 

دلالته بأن كل هذه الأحداث ما هي إلا انعكاس واضح وعميق جدًا على كل الأمور التي تمر بنا في حياتنا اليومية، "فالأسانسير" هو من يمثل الحياة المدنية الحديثة بكل ما فيها من سرعة وراحة ورفاهية الوصول والمساعدة الجبارة في حملك وحمل اغراضك المادية فقط إلى اقرب مكان لك. بلا أدنى تعب. 

أما (الدَرج) فهو يمثل الحياة وما يجب أن تكون بالرغم من القسوة والجهد والبطء ولكنها أكثر تقاربًا وإنسانية ولطفًا ومشاركة وودًا، فالإنسان يحتاج الظرف المناسب فقط ليعبر عن ذاته بصورة أكثر عمقًا، وأصدق تعبيرًا، ولكن الظروف الصعبة، المتمثلة في الحياة السريعة الهادرة لا تعطيه الفرصة المناسبة للتعبير الصادق عن نفسه، ولا تخلق له هذا الظرف النادر الذى هو في أمس الحاجة إليه. 


فحينما أتيحت الظروف أن يعبْر الجميع عن داخلهم العميق بالرغم من المشقة والتعب لم يترددوا وكأنهم منتظرون هذه اللحظات لاستغلالها الاستغلال الأمثل للتعريف بالأنا في أبسط صورها، بل بدا الجميع وكأنهم شخصيات أخرى تمامًا لها بعد إنساني جميل، ولكنه مطمور خلف هذه الطاحونة المادية المرعبة، وخلف القلق الدائم على السعي لطلب الرزق. 

 

نعم فالتكنولوجيا وسرعتها ساعدتنا كثيرًا كثيرًا، ومما لاشك في هذا،  ولكنها وبلا شك أيضًا أخذت منا الدفء والتقارب الإنساني كما يجب أن يكون!

فالحياة المادية السريعة بكل وسائلها الرهيبة فرضت علينا جميعًا أن يعيش  كل شخص منا متقوقعًا داخل ذاته غير عابئ بالآخرين وغير مهتم بمحيطه الإنساني على الإطلاق؛ يريد السرعة والتقنية الحديثة في كل أموره، لكي تسعف وقته وأمور حياته ولكن لاتسعفه هو من المنظور الإنساني البحت، فهي ساعدتنا في كل شيء تقريبًا، ولكن أبعدتنا عن بعضنا البعص كمشاعر وأحاسيس واهتمام.


وحينما نسبر أغوار النفس البشرية، نجدها تحتاج لكل هذه المشاعر الإنسانية النبيلة، ولاغنى عنها ابدآ بدونها سنعيش حالة منفصلة كمن يستقل الأسانسير متقوقعًا في ذاته، فكل شخص بداخله لايرى إلا نفسه ولايريد أن يرى الآخر ولا يود.

 

التحدث مع الآخر فى أي شيء إلا بالقليل النادر، وعن امتعاض أيضًا وكأننا أصبحنا كآلات بشرية لا تهتم إلا بإنجاز عملها السريع غير عابئة بالاحتياج الإنسانى المرهف والنبيل. فأفضل الأمور أن تنهل من كل شيء علي قدر يسمح لك أن تستمتع بكل شيء، ولاتجور على شيء.

 

ولا ننسى أننا بشر، نحتاج الوقت لكى نسمع لبعضنا البعض ونتقارب لنزيل عن كواهلنا التعب والمشقة، وأن نتقارب ونحمل عن أنفسنا الألم والآلام.

 

ففي هذه الهجمة المسعورة من التقنية والتكنولوجيا، لابد أن نكون لبعضنا مرفأ أمان وألايكون التواصل فيما بيننا، عبر الأذن والعين، ولكن عبر القلوب التي تشعر وتحب.

 

فلقد خلق الله الإنسان كمخلوق إجتماعي ناطق، فإن سلبت منه هاتين الصفتين كان أقرب للحيوانية منه للإنسانية، يعيش فقط للبحث عن الكلأ والشراب. والله أراد لنا غير ذلك تمامًا، أراد لنا التواصل وأمدنا بالشعور لكي نشعر ببعضنا البعض، وأن نصل إلى درجة المثالية الإنسانية التي هي الرجاء الأخير لنحيا كآدميين.

إقرأ ايضا