نوافذ

الأحد 28 فبراير 2021م - 16 رجب 1442 هـ

الغرب الذي يجب أن نفهمه؟!

لقد نجح الغرب عبر قرونٍ طويلة أن يرسم لنفسه صورة مهيبة  من صور التقدم والرقى الحضارى، وأن الرجل الأبيض أيضًا يمتلك من المقومات الخاصة به، مما يجعله الرجل السوبر في كل شيء؛ فهو يمتلك عقلية مختلفة أكثر تأهيلاً ودرايةً لاستقبال كل ماهو حضاري وتقدمي، ويمتلك إرثًا حضاريًا كبيرًا ومتنوعًا مما جعله أكثر تحررًا وانفتاحًا، فكانت نافذته واسعة وأرضيته أرضًا صلبة ثابته ليكون نتاجه الحضاري أكثر إبداعًا وتميزًا، ربما يكون الأمر كذلك أو بخلاف ذلك، ولكن لابد من توضيح شديد الأهمية؛ بأننا ننظر إلى الغرب من خلال صورة صدّرها هو لنا وحدد لنا إطارها بل وحدد لنا زاوية الرؤية التي ننظر بها إلى هذا الغرب الطاووسى المفعم بالأنا.

مما جعلنا جراء كل ذلك غير منطقيين أو محايدين في الحكم  علي الغرب بالصورة الصحيحة ذات المنهجية العلمية الدقيقة فابتعد الحكم الموضوعى بين إفراط وتفريط أو بين الغلو في تعظيم شأن هذا الجار الشمالي لمنطقتنا العربية، أو الإستهانة بالتحليل أو الموضوعية تحت دعوى الحكم المسبق عليه، وفي كلا الأمرين لم ننصف الرؤية الشاملة للحكم المنضبط على الغرب!
فهل الغرب كما صدّر صورته لنا أو أنه بخلاف هذه الصورة؟.
بداية لابد أن نكون متحلين بالنزاهة في الحكم الصحيح على الغرب، وعلى أنفسنا أيضًا؛ فهم بشر مثلنا تمامًا يصيبون ويخطئون ويمتلكون مشاعر ووجدان كأي فصيل إنسانى، منهم العلماء الأفذاذ، ومنهم أيضًا الكسالى الأغبياء، ومنهم الملتزمون ومنهم المنحرفون وكل هذا بنسب متفاوتة، فالرجل الأبيض ليس كما يتصوره الكثيرون هو الرجل الخارق أو السوبر؟ بل هي نظرة فرضها هو علينا، وللأسف من يتصفون منا _ بالانهزامية الحضارية _ فهؤلاء وللأسف هم من امتلكوا أدوات الإملاء ليملوا علينا جميعًا باسم التنوير والنهضة، نظرتهم الدونية لبيئتهم ومحيطهم التأثيرى فكانوا وكلاء عن الغرب بتصدير صورتهم الطاووسية وقيمهم المادية البحتة، وكانوا جلادين قساة في الوقت نفسه على مجتمعاتهم وعلى محيطهم الدينى والفكري والبيئي الأصلي.

وبعقدة الخواجة التي تسيطر عليهم يظنون أنهم محاربون شرفاءأضافوا  أرضًا جديدة إلى الفكر الغربي المضاد، بكل قيمه المادية البحتة واعتبروه غنيمة كبرى نالوها بعد حرب ضروس مع بني جلدتهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب، بل ونصبوا العداء لكل محاولات التقرب لإعادة أصول المنهجية في الحكم العام على الغرب برمته، وهؤلاء اعتمدوا بكل أريحية على مقولة: "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا".

فجعلوا الغرب وجهتهم وقبلتهم ويدافعون عن قيمه وفكره وأيدولوجيته بكل ضراوة، فجعلوا من أنفسهم مسوخًا مشوهة لاهم بشرقيين ولاهم بغربيين، والمفارقة العجيبة والتي لابد أن نلحظها أنهم لايطيب لهم العيش إلا في بيئتهم وأوطانهم الأم، التي يصفونها ليل نهار بالتخلف والرجعية، لأنها لاتسير علي خطى الغرب، فكريًا وأيدولوجيًا، اللذان مكنا الغرب من القفز نحو الازدهار والتقدم، لأن الغرب لايرضي بالمسوخ لأنهم يحترمون النتاج الطبيعي لكل تربة.

هؤلاء المهوسون بالحضارة المادية الغربية عديمى الحجم، لأن من لايُقدر حجمه يظن أن كل من حوله عمالقة!! وبعيدًا عن النظرة الدونية لهؤلاء، فلابد أن نعطى الغرب حقه الطبيعي من التقييم الحيادي المحض، لابد وأن نذكر وباهتمام أسباب نهضتهم في العصر الحديث بصفة خاصة، لأنهم استفادوا جيدًا من أخطائهم السابقة، وتعاملوا مع الدورة الكونية وقوانينها الثابتة من صعود واضمحلال الحضارات بكل عقلانية وهدوء، بعدما برزت قوى غربية أخرى أكثر حداثة وقوة على طرف المحيط البعيد (الولايات المتحدة)، فاستفادوا بكل الدروس السابقة وأدركوا تمامًا أن السير على أشواك الماضى شيء مؤلم للغاية ومدم جدًا، ولكنه هو السبيل الوحيد للعبور إلى الضفة الآمنة الأخرى.

فترفعوا عن تباينهم الشديد فيما بينهم ثقافيًا، ولغويًا، وفكريًا وأيدولوجيًا، وسياسيًا، واستطاعوا بدعوة من دولة منهزمة حربًا وكرامةً - وهذا هو قمة التحدى وقمة إيضاح العقلية الغربية الجديدة - فبدلاً من دعوه الثأر والانتقام دعت إلى القوة والاتحاد.

المواطن في الغرب تعلو محياه سعادة، لكنها سعادة سطحية تنتجها معايير مادية بحتة، ومظاهر رقي ورفاهية، ولكنه يفتقدون إلى الرقي الروحى والسلام الذهني، فحياتهم حياة قلوقة مضطربة يخافون من أي هزات غير معتادة تكدر عليهم لحظتهم الآنية، فهم في سعي دائم لسداد الاستحقاقات اليومية، لأنهم يعيشون تحت مظلة كاذبة تعطبهم وعود كاذبة، فالرأسمالية لخصت سيطرتها على الرجل الأبيض بأسلوب: اختر ماتشاء وستدفع كيفما نشاء، امتلك وارتحل وخذ الدنيا بحذافيرها بقدر ما ستدفع.

لكنهم أكثر موضوعية ومنطقيه في الوعى  الجمعى، ولم يدعوا سوس القومية والطائفية والحدودية، والقبلية ينخر في جسدهم، هم يمتلكون نوع آخر من السوس ينخر فيهم هو سوس الإنحلال الأخلاقي والأسري، فلديهم بالرغم من تقدمهم المادي المذهل تشوهات وانحرافات حادة جدًا عن النهج الحضاري السليم، فلا يجب أن ننبهر بتقدمهم الحضاري، فهذه الحضارة  تحمل بذور فنائها بداخلها، وعقلاؤهم وحكماؤهم وفلاسفتهم يعلمون ذلك تمام العلم ويحذرون منه طوال الوقت، لأنهم يدركون تمامًا أن النهج المادي لايُعتمد كمظهر وحيد للتقدم والرقي الحضاري، بل هناك قيم اخري متجانسة تخلق استحواذًا حضاريًا محكمًا.

إن الغرب يمتلك من الحضارة ما يمكن أن نصفها بالحضارة الهشة والسطحية بلا أدنى عمق روحي أو أخلاقي، فلديهم ركود روحى شاسع، ولديهم ازدواجية حادة في كل المعايير، ويعتبرون أن ملكية الذات هي أبسط أشكال الحرية، وتأثروا بالطبع بكل الفلاسفة والمفكرين الوجوديين لديهم في هذه النقطة الفاصلة في تحديد كلمة (حرية)، واتخذوا من رؤية الفيلسوف الإنجليزي (جون مل) الذى يرى أنه من الضرورى وضع حد _ فاصل ومشروع _  لتدخل الرأي الجمعى في الإستقلالية الفردية.

من هنا، انطلق الرجل الأبيض مهرولاً نحو أهوائه ونزواته بلا ضابط أخلاقي أو ديني باسم الحرية الفردية، فهناك ثمة فارق كبير بين الحرية والفوضى، تحتم عليهم بعد إذابة الحد الفاصل بين كل القيم والمعاني أن يكونوا مزدوجي المعيار في الحكم على كل الأشياء، فما يحللونه لأنفسهم يحرمونه علي الآخرين والعكس صحيح، فالحرية والاستقلالية والرقي لنا ومحرم على الآخرين.

لقد تعظمت لديهم الأنا العليا، فلا ينظرون بالاعتبار الواجب لمن هم دونهم تقدمًا وقوة مهما كان وزنهم وإرثهم فى الماضي القريب، فهم لايؤمنون إلا باللحظة ومعطياتها، ولا يحترمون إلا الأقوياء ويستهينون بالضعفاء، ولا يحترمون إلا الند، ولا يضيعون وقتًا في توضيح صورتهم وقناعاتهم وأفعالهم فهم في حل من ذلك الأمر كله!، فهم مشغولون بذاوتهم فقط ويعتقدون أنهم محور العالم وركيزته.؟

مع كل هذا الوضوح في انقشاع غمامة الرؤية الصحيحة لهذا الغرب، لزم  علينا في مشرقنا أن ننشغل أكثر وأكثر بذواتنا فنحن لسنا بعدم، فنحن موجودون فعليًا، ونمتلك زخمًا حضاريًا دار دورته علينا من صعود واضمحلال، فلا نركن لهذا ونقوض بأيدينا أي محاولة للصعود مرة أخرى، فنحن دعاة رقي وتحضر مستمد من زخمنا الروحى والديني الدائم والمستمر منذ أكثر من  أربعة عشر قرنًا، فلم ولن ينضب معيننا وسبيلنا نحو مشاركة متناسبة للرقى الإنساني ككل بدافع من القيم الروحية العليا التي تدعو إلى العدل والخير والجمال.

إن الإرث الإنسانى ككل هو إرث مشترك ساهم فيه الجميع بنسب متفاوتة والحياة برمتها ليست حكرًا على فصيل إنسانى معين، بل إننا على المشاع الحضارى يؤثر فيها الشرق أمس، ويؤثر فيها الغرب اليوم، المهم أن يعرف كل طرف مكمن قوته وعزته ويحافظ عليها لا أن يتبرأ منها إرضاءً للسيد الجديد.

إن التفاعل البشرى هو أرقى مظاهر الرقى. والقيم العليا للذات هي مايجب أن نحافط عليها، فالجميع له طرحه الحضاري ولابد أن يحترم، وبدلاً من التصادمية والتقليل من شأن الآخر نتعاون علي أسس أن الجميع أصحاب طرح حضارى، ولكن سنة الله في الكون جعلت لكل حضارة وقتًا وزمنًا. 

إقرأ ايضا