نوافذ

السبت 16 يناير 2021م - 03 جمادى الثانية 1442 هـ
نوافذ
ADS

السلبية المطلقة في الفيروسات وعند بعض البشر

ADS
خلق الله الإنسان وهداه النجدين، وألزمه طائره في عنقه إما شاكراً وإما كفورا، وجعل له حرية الإختيار بين فعل الخير ليفوز بالجنة، أو فعل الشر يحاسبه الله يوم الآخرة علي جنت يداه.

كل إنسان إذن مسئول عن نفسه وعن مصيره، وهي ما يسميها الفلاسفة "حرية" تلك الحرية ليست من السهولة أن يتحمل مسئوليتها بني البشر، بل هي معقدة وتبعث علي القلق والخوف، خاصة إذا كان الإنسان يركن إلي الدعة والسكون والراحة.

أكثر شيء يخيف الإنسان في الحرية هي مسئولية الإنسان عن اختياره مصيره ومعتقداته، وكذا سلوكه، وبخاصة إذا كانت أمامه العديد من الإختيارات، في المقابل إذا قلت الإختيارات امامه، وكانت فقيرة وشحيحة، من هنا يستسلمون غرائزهم واندفاع أهم الحماسي لما تمليه عليهم الطبيعة كالقطيع، من دون روية أو إعمال للعقل، أويغلب الطيش والرعونة والنزق علي استجابتهم لما يواجههم من أحداث، بعض هؤلاء البشر يعيشون مثل الكائنات الزومبي، أي أحياء كالموتي، فتغلب عليهم في السلبية و الأداتية بذهنية الروتين التقليدي ذات الطابع الآلي.

في حال زادت الاختيارات الكثيرة والمتقاربة أمام الإنسان (في الكم والكيف)، من هنا يتعرض الإنسان المخُتَبَر  موجات من القلق والحيرة، بما يؤكد المفهوم الذي صاغه أحد الفلاسفة في أن مشكلة العالم أن الأغبياء واثقون من أنفسهم أشد الثقة، بينما العقلاء الأذكياء في تملؤهم الشكوك.   

ولأن الأغبياء يتصرفون في معظم المواقف باندفاع ورعونة، بل في فجاجة، وقد تسفر مغامراتهم تلك عن نجاح مرة لكن كثيراً ما تخطيء ولا تحظي بالنجاح. لذا تمثل قضية حرية الإختيار أسمي معاني وقيم البشر الإنسانية

بعض الآراء الفلسفية تري أن الإنسان كائن سلبي، وما هو إلا أداة تحركها الطبيعة، حسب قوانينها ونواميسها، والدليل علي ذلك أننا نري الكثير من بني البشر يعبدون العادات والتقاليد الراسخة في مجتمعاتهم، ويتخذون الأعراف والقيم التي سار عليها أسلافهم. هؤلاء يفتقرون القدرة والاستعداد لتغيير عاداتهم وتقاليدهم التي يعيشون عليها، بما يجعلهم أقرب للكائنات التي تعيش في سلبية مطلقة، علي فطرة الله التي خلقها عليها.

الكائنات التي خلقها الله وتعيش مجسدة لنموذج السلبية المطلقة هي الفيروسات، لأنها خارج عائلها (الخلايا الحية) نظام استاتيكي ثابت static system، فلا تستطيع أن تغير من نفسها أو تتكيف حسب ما يحيط بها من عوامل، فهي لا تنمو ولا تكبر أو تصغر في الحجم بحيث ما تتطلبه ظروفها الخارجية، لذا فهي تتطفل إجبارياً obligate parasite، علي الخلايا الحية والتي لا يدخلها إلا إذا صادف وجوده في المكان الذي تتواجد به تلك الخلايا الحساسة للإصابة، فيعمل طرفي العلاقة (مستقبلات الفيروس علي الخلية وأجزاء الإرتباط علي الفيروس) للحركة العشوائية نحو بعضهما بما يسمى إنجذاب إلكتروستاتيكي).

في المقابل فإن الكائن الحي حتى البسيط منها مثل البكتريا فيمثل نظام ديناميكي مفتوح open dynamic system، حيث ينقسم وينمو ويتغير ليتكيف حسب البيئة المحيطة، فضلاً عن حركته نحو غذائه أو تكاثرها بما يمثل.

ولأن الله خلق في الكون أمم امثالنا كما ذكر ذلك في كتابه الحكيم، حيث قال في سورة الأنعام "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)، ذكر العلماء أن أول كائن حي ظهرت فيه صفة الإيجابية هي الكائنات بدائية النواة Prokaryotes (منذ ما يقرب من 3,5 بليون سنة) وبالأخص البكتريا الزرقاء والسيانوبكتريا التي تحتوي علي كلورفيل (من نوع يختلف في تركيبه عن الكلوروفيل النباتات الخضراء لكنه يقوم بعملية التمثيل الضوئي)، حيث تعمل غذائها بنفسها مستخدمة الضوء وثاني اكسيد الكربون في وجود الماء لتكوين المواد النشوية ويخرج من تلك العملية الأكسجين.

ويمثل الأكسجين العنصر الاساسي لوجود كائنات حية أخرى لكنها حقيقية النواة Eukaryotes  مثل الأميبا أو الفطريات وكذلك بعض أنواع الطحالب،  تلك الكائنات تمتلك القدرة علي النمو والتكاثر فضلاً عن التكيف مع البيئة المحيطة بها. تلك الكائنات الغير متمايزة لخلايا تعمل تعيش في نمط مكرر وثابت، في المقابل خلق الله كائنات أرقى من السابقة حيث توجد في صورة مجموعة من الخلايا (مستعمرة) المتشابهة تماماً تعمل نفس العمل طيلة حياتها، إلا في مرحلة التكاثر حيث تتحول وتتغير بعض الخلايا كي تقوم بعملية التكاثر كما في طحلب يسمي باندورينا Pandorina.

في صورة لتطور الكائنات كما خلقها الله تبدو واضحة وجلية في طحلب يسمي "فولفوكس Volvox" حيث يعيش في مستعرة، ورغم أن المستعمرة في حجم رأس الدبوس ولا تري بوضوح إلا بالميكروسكوب الضوئي، لكن التنوع الوظيفي في خلايا المستعمرة أصبح واضحاً من حيث احتوائه علي خلايا مسؤولة عن الغذاء وأخرى خلايا مسؤولة عن التكاثر، جميع الخلايا والتي عددها حوالي عشرون ألف خلية، تعمل في نظام وانسجام معجز من أجل حياة والحفاظ علي نوع الطحلب.

خلق الله الكائنات تعقيد وتنوع أكثر سواء في الوظيفة أو التركيب والتعضي، حتى وصل للكائن الأرقى وهو الإنسان خلقه في أحسن تقويم، وميزه عن باقي الكائنات بالعقل الذي ساعده في حرصه للحفاظ علي حياته وتحقيق صالحه الشخصي والإجتماعي.

عندما بدأ البشر يزدادون في العدد  واجهتهم مشكلة كثافة السكان، فكان عليه أن يجد حلولاً لها، مثل الهجرة والحرب. ولما بدأ في الهجرة إلي مناطق مثل السهول والحقول والتي يكثر فيها الغابات والنباتات المفيدة له، سواء للغذاء أو الكساء، إستخدم من ثم النار وتعلم إستخدام الأدوات مثل الأحجار في القطع والصيد، من هنا بدأ الإنسان في إستخدام عقله واستعداده الفطري من ذكاء لمواجهة ما يطرأ عليه من مخاطر، مثل هجوم الحيوانات المفترسة أو كوارث طبيعية، فأخذ يبني الأكواخ والبيوت البسيطة، بالتوازي مع مع تطور في استخدام اللغة حسب حاجاته.

انتقل الإنسان بعد ذلك إلي مرحلة جديدة من حياته، فتعلم تدجين الحيوانات وكذا ترويض المفترسة منها، فيما يسمى بمجتمع الرعي، واستنتج أن الرعي أفيد له كثيراً من الصيد، حيث يوفر له اللحوم بما يمثل أمان غذائي مستمر له، وترتب علي ما سبق اكتشافه الزراعة، التي اعتبرت بمثابة كشف وفتح ثوري كبير، وفرت له رصيد من الإنتاج المستمر والاحتياطي الكافي لحياة البشر المستقرة، ومنذ ذلك الوقت بدأ يتعلم الكتابة وتسجيل الأحداث والتاريخ البشري علي الأرض.

نتج عن تعامل الإنسان مع الحيوانات سواء البرية أو المدجنة بصورة مباشرة، وكذلك إمتهانه الزراعة أسلوباً الأمان المعيشي، أن تأسست علاقات جديدة بين مختلف أنواع الحيوانات والنباتات، وترتب علي ذلك مناخ مناسب لظهور الأوبئة و الجائحات وبالأخص الفيروسية منها، حيث تغيرت النظم البيئية وإنتقلت الفيروسات من حيوانات إلي أخري، ومن تداعياتها حدوث قفزات وانتقال سلالات جديدة من الفيروسات للإنسان، لم تكن تصيبه فيما قبل، تلك السلالات الفيروسية الجديدة كانت من الخطورة بحيث لم يستطع جهاز المناعة في الإنسان مواجهتها والتغلب عليها فانتشر بعضها بسهولة بين الناس كالنار في الهشيم.
 

إقرأ ايضا