نوافذ

الأحد 17 يناير 2021م - 04 جمادى الثانية 1442 هـ
نوافذ
ADS

التوجه السلفي عند الشيخ عبد المجيد سليم

ADS
الشيخ عبد المجيد سليم (1299 - 1374 هـ ) (1882- 1954م ) واحد من شيوخ الأزهر المعاصرين الذين تركوا بصمات واضحة في عديد من المجالات .وقد ولد رحمه الله بقرية ميت شهالة بمحافظة المنوفية ، وتلقى تعليمه بالجامع الأزهر على ثلة من مشهوري أهل العلم في زمانه ،منهم الشيخ أحمد أبو خطوة والشيخ محمد عبده، والشيخ حسن الطويل، وغيرهم.
وقد مارس الشيخ عبد المجيد سليم التدريس والقضاء ،والإفتاء حيث كان مفتياً للديار المصرية ، ورئيساً للجنة الفتوى بالأزهر ،كما تولى مشيخة الأزهر مرتين :أعفي في أولاهما ،واستقال في الثانية. وقد تميزت آراؤه بالتحرر المذهبي ،والأخذ بالقول الذي تؤيده الأدلة ،دون التعصب لمذهبٍ بعينه .وقد كان رحمه الله -بحسب ما يظهر لنا من فتاواه ومواقفه - سلفيَّ الاعتقاد في مسائل توحيد الألوهية والأسماء والصفات وغير ذلك ،وكانت له عناية خاصة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ،ومن سار على نهجهما . وإليكم بعض النقول الموثَّقة من فتاواه وأقواله رحمه الله ،يتبين منها صحة هذا الذي ذكرناه :  
أولاً : قوله في إثبات صفات الله عز وجل
كان الشيخ رحمه الله يعتقد معتقد السلف في إثبات صفات الله تعالى التي وردت في القرآن والسنة ،من غير تشبيه ولا تعطيل ، كما يتضح ذلك من فتواه في مسألة الاستواء حيث سئل عن حكم من اعتقد في صفات الله وأفعاله كاستوائه على عرشه وفوقيته ،وغير ذلك مما ذكر في القرآن والسنة الصحيحة ظاهرَ الآيات والأحاديث ،وأن تفسيرها هو ظاهرها مع اعتقاد التنزيه ،ونفي المماثلة والتشبيه للحوادث ، هل هو مصيب في اعتقاده هذا أو مخطئ ؟ وما حكم من قال له : إن امرأتك طلقت من أجل اعتقادك هذا؟
فأجاب رحمه الله : ( اطلعنا على هذا السؤال ،ونفيد بأنه متى آمن الإنسان بأن الله سبحانه وتعالى منزه عن كل ما يوجب نقصاً أو حدوثاً ، وحمل ما جاء في الآيات الكريمة من مثل قوله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) على ظواهرها ، بمعنى أن المراد بها ما يليق به سبحانه وتعالى ويناسبه مع تنزيهه سبحانه وتعالى عما تستلزمه إذا نسبت إلى الحوادث من الجسمية والتحيز والمماسة وغير ذلك فليس عليه شيء ، بل هو قد اتبع سبيل السلف الذين يحملون هذه الآيات وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث على ما يليق به سبحانه وتعالى ، مع تنزيهه عن كل ما يوجب نقصاً أو يقتضي حدوثاً ....) ثم نقل رحمه الله عن الكمال بن الهمام من فقهاء الحنفية كلاماً يؤيد ما سبق ، ثم قال : ( ومن هذا يتبين أن من اعتقد في صفات الله تعالى وأفعاله كاستوائه على عرشه ظاهر الآيات والأحاديث بالمعنى الذي قلناه ، مع اعتقاده التنزيه ونفي المماثلة والتشبيه للحوادث مصيبٌ في اعتقاده ، ومن قال : إن امرأته طالق لأجل ذلك فهو مخطئ جاهل بمذهب أهل الحق والله سبحانه وتعالى أعلم ). [ مجلة الأزهر عدد :  صفر 1368هـ - ديسمبر 1948م]
.................................................................................
ثانياً : فتاواه في توحيد الألوهية ،وما يتعلق به من بدع الأضرحة والقبور :
1- من ذلك فتواه في تحريم النذر للأولياء ؛حيث بين أنه حرامٌ بإجماع المسلمين، ثم قال رحمه الله : ( والظاهر لنا أن هؤلاء العوام ،وإن قالوا بألسنتهم إني نذرت لله أو تصدقت لله ،فقصدهم في الواقع ،وفي نفس الأمر إنما هو التقرب إلى هؤلاء الأولياء ، وليس مقصدهم التقرب إلى الله وحده ، ولم يبتغوا بذلك وجهه سبحانه ، لقد صدق فضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة رحمه الله إذ يقول في رسالته التي ألفها في النذور وأحكامها : ما أشبه ما يقدمون من قربان وما ينذرون من نذور وما يعتقدون في الأضرحة وساكنيها بما كان يصنع المشركون في الجاهلية ، وما يغني عنهم نفي الشرك بألسنتهم ، وأفعالهم تنبئ عما يعتقدون من أن هؤلاء الأولياء لهم نافعون ولأعدائهم ضارون ) .[ فتاوى دار الإفتاء المصرية، نقلاً عن كتاب المنار المنيف في فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف (1/ 130) ].
2-ومنها فتواه في الدفن في المساجد :حيث كتبت إليه وزارة الأوقاف تستفتيه في حكم الدفن في المسجد .فكان جوابه أن ذلك لا يجوز ،وذلك لأن في الدفن في المسجد إخراجاً لجزء من المسجد عما جعل له من صلاة المكتوبات ،وتوابعها من النفل والذكر وتدريس العلم ،وذلك غير جائز شرعاً .ولأن اتخاذ قبر في المسجد على الوجه الوارد في السؤال يؤدي إلى الصلاة إلى هذا القبر أو عنده .وقد وردت أحاديث كثيرة دالة على حظر ذلك. ، ثم نقل رحمه الله نصوصاً لابن تيمية وابن القيم في تحريم ذلك منها قول ابن القيم : " لا يجتمع في دين الاسلام قبر ومسجد بل أيهما طرأ على الأخر منع منه وكان الحكم للسابق" ......) .[ فتاوى دار الإفتاء المصرية : المجلد الثاني ( 3 / 650 )].
.................................................................................
ثالثاً : رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم :
كان للشيخ  كما ذكرنا عنايةٌ شديدة بكتب الإمامين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم .حتى إن الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله قد ذكر في مقال نشره عن الشيخ في عدد ربيع الأول 1374هـ من مجلة الهدي النبوي، أنه رحمه الله كان يكثر أن يقول : ( آية أن الشخص سلفي صالح في عصرنا هذا : أن يكون معنياً بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ، فإن الله يعصم بها من فتون المدنيات الحديثة ، ويرد بها الأهواء الجامحة ،والنفوس الطامحة ) . كما ذكر الشيخ حامد الفقي في نفس هذا المقال أنه ذهب يوماً لزيارة الشيخ ، وعنده أحد شيوخه ، فأخذ الشيخ عبد المجيد يسأله عما لديه من الكتب السلفية ، وما قرأه منها ،وبخاصة كتب ابن تيمية ، فلما أخذ الشيخ حامد يسرد  تلك الكتب ،إذا بالشيخ الزائر يغضب ويقول في حدة : ( أنت يا شيخ عبد المجيد تقرأ كتب ابن تيمية الضال المضل؟! فأجابه الشيخ رحمه الله رحمة واسعة ،في رفق وأناة وابتسامة لطيفة لن أنساها : نعم يا سيدنا الشيخ ، وأكثر من ذلك أقول لك : إني كلما أردت شرح صدري ، وتنشيط نفسي وإنعاشها ،قرأت كتب ابن تيمية وابن القيم فلن يعتريني كسل ولا خمول أبداً ... وما ذلك إلا لأنَّ  كتب ابن تيمية وتلميذه يشرق منها نور الهدى والإيمان ؛ لأنَّ لها أوثق الصلة بالقرآن والسنة ، فغضب الشيخ الكبير غضبةً عنيفةً ، وقام في غيظ شديد ، مُقسماً أنه لن يزور الشيخ عبد المجيد إلا إذا أعلن توبته ورجوعه عن كتب ابن تيمية وابن القيم ،ومقاطعته لحامد الفقي ) . ولكن الشيخ -كما يذكر الشيخ الفقي- لم يرجع ،وظل إلى أن لقي ربه على عقيدة التوحيد الخالص ،والاتباع الصادق للرسول صلى الله عليه وسلم.
 وبعد : فقد يُعكِّر على هذا الذي قلناه شيء يتعلق بموقف الشيخ من الشيعة والتشيع .ولكنْ هذا موضوع يحتاج إلى شيء من البسط والبيان ، لذا نرجئه لحديث قادمٍ بمشيئة الله.
عبد الآخر حماد- عضو رابطة علماء المسلمين
11/ 4/ 1442هـ -26/ 11/ 2020م
 

إقرأ ايضا