نوافذ

الخميس 03 ديسمبر 2020م - 18 ربيع الثاني 1442 هـ
نوافذ

معركة "هيكل" مع "إعلام النظام" في مصر.. أزمة صلاحيات

1506269865_729_29470_5e6c2e4750a08a360f27e53a70d85ab3

أثار أسامة هيكل، وزير الدولة للإعلام بمصر، جدلاً واسعًا في الأوساط الإعلامية في مصر، بعد أن وجه انتقادات لأداء الإعلام الموالي للسلطة، كانت سببًا في إطلاق الهجوم عليه من قبل الإعلاميين الموالين، ما دفعه للتراجع عبر الدعوة لاجتماع الأربعاء لبحث الأزمة أو تحديدًا "الصلاحيات" التي يتمتع بها.

واعتبرت وكالة "الأناضول" في سياق تحليلها للأزمة أن تلك "الصلاحيات"، التي تبدو "لبّ المعركة الأخيرة"، هي أبرز ما يمكن قراءته في ذلك المشهد المفاجئ بالوسط الإعلامي في مصر، من خلال تصريحات متكررة للوزير بعيدة وفق مؤيدين للنظام عن "الحصافة السياسية"، وكان من أبرزها انتقاده "غياب التنسيق الإعلامي" وبروز إعلاميين "غير مختصين"، ووجود صوت واحد للإعلام أدى لتراجع دور وتأثير الصحافة والإعلام في مصر.

وبدا لمتابعين للشأن المصري أنه يبحث من خلال هذه التصريحات عن ترسيخ مهام "عميقة" لحقيبته التي بلا وزارة وكانت منذ تعيينه في ديسمبر 2019 محط تساؤلات عديدة عن صلاحياتها، في ظل وجود هيئات إعلامية قائمة بالفعل ومعنية بإدارة المشهد، وحقل إعلامي معروف للجميع أن له "خطوط حمراء".

غير أن تراجع هيكل، وسط ألغام الانتقادات التي واجهها بالحديث عن "حملة ممنهجة تدار ضده"، يكشف خشيته أن يكون خارج المشهد الإعلامي، مع رفع الجبهة الرافضة له سقف المواجهة إلى المطالبة بإقالته أو استقالته.

وعلى الرغم غم المأزق القانوني لغياب البرلمان صاحب الكلمة الأخيرة دستوريا في الموافقة على الإقالة أو الاستقالة في ظل قرب إجراء انتخاباته، إلا أن المثل المصري القائل: "العيار (طلق الرصاص) الذي لا يصيب يدوش (يحدث ضجة أو أزمة)" ربما يقلق الوزير المصري.

ويبقى سيناريو رحيل هيكل واردا سيما أنه سبق في يونيو وسبتمبر الماضيين، أن رحل اسمان بارزان، هما مكرم محمد أحمد، وياسر رزق، من مركزهما الإعلامي، الأول من رئاسة الهيئة الوطنية للإعلام (تدير شؤون الإعلام بالبلاد) والثاني من رئاسة مجلس إدارة صحيفة "أخبار اليوم" أحد أبرز الصحف بالبلاد، وذلك رغم قربهما من السلطة.

وتولى هيكل حقيبة لشؤون الإعلام بلا وزارة في 22 ديسمبر 2019، دون إعلان صلاحياته آنذاك، وسط جدل إعلامي بشأنها في ظل وجود الهيئات الوطنية للإعلام وللصحافة وللمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذين تأسسوا عام 2017، لإدارة الشؤون الصحفية والإعلامية، وفق الدستور.

ووقتها قال متحدث البرلمان، صلاح حسب الله، في تصريحات إعلامية، إن تعيين هيكل "جاء كممثل للدولة من أجل إحداث التنسيق وفض التداخل بين الهيئات الثلاثة".

وبعد نحو شهرين، من تعيينه، صدر قرار حكومي بتحديد صلاحيات الوزير، وسط تسريبات إعلامية عن "خلافات مكتومة" بين هيكل والهيئات الإعلامية، و"اتهامات" له، نفاها، عن محاولته انتزاع صلاحيتهم.

ومن أبرز الصلاحيات الـ 11 التي منحت للوزير: اقتراح سياسيات إعلامية والتنسيق مع الهيئات في تنفيذها، وتمثيل الدولة دوليا، وإعداد خطط التعامل الإعلامى مع المواقف السياسية، والإشراف على خطط تطوير أداء وسائل الإعلام المرئية العامة والخاصة.

وعبر منبره الشخصي في "فيسبوك" ومقابلات صحفية ومتلفزة، انطلق هيكل، على مدار الـ4 أشهر الأخيرة فيما يبدو دون مراعاة لقواعد المشهد الإعلامي "المرسومة حدوده وخطوطه الحمراء"، فكانت تصريحاته عن الواقع الصحفي والإعلامي المتراجعين ببلاده أشبه بتوجيه ضربات بحلبة مصارعة لمن يحاول تحجيمه أو لم يسمح بإعطائه صلاحيات فعالة.

ففي 2 يونيو، قال هيكل: "إذا لم تؤثر فأنت لا تعمل بالإعلام واقفل (اغلق) أحسن"، مؤكدا أن الدولة ليست مستعدة لمواجهة الحرب الإعلامية ضدها (من المعارضة) بسبب تناثر القوات والجهود، ونافيا التدخل في شؤون الهيئات الإعلامية الثلاثة ، وذلك ردا على ما يثير عن "صراع مكتوم" بينه وبين هذه الهيئات، تحدثت وسائل إعلام عنه.

وفي 5 يوليو، كان ذلك الصراع حاضرا بحديث هيكل عن ملف الإعلام "الملغوم"، عقب طلبه كلمة بالبرلمان، قائلا: "هناك أعباء عديدة تواجهنا وعلينا أن نتعاون لمواجهة هذا الملف الملغوم".

قبل أن يتدخل رئيس المجلس النيابي، على عبد العال ملطفا الأجواء: "كلمة الوزير لا تعنى على الإطلاق التدخل فى شؤونكم".

وفي 9 يوليو، استمر هيكل في التلميح قائلا: "أحلام وأمنيات كثيرة بعودة الريادة للإعلام المصري (..) هل سيكتب لي النجاح في هذه المهمة؟ الله وحده يعلم".

وفي 24 أغسطس، رفض هيكل دعوات لإلغاء وزارة الإعلام، ومنتقدا ما أسماه "الصوت الواحد" في الإعلام.

وفي 9 سبتمبر الماضي، أعاد نشر بصفحته في فيسبوك، حوارا أجراه، يحمل عنوانا باسم "وزير الإعلام المصري أسامة هيكل يأمل في تصحيح أوضاع الإعلام المصري".

وفي 10 سبتمبر، ألمح هيكل لوجود أزمة في الإعلام، قائلا: "هناك أوضاع ترتبت خلال السنوات الماضية، وعندما تأتي الإشارة إلى الإصلاح ينتاب البعض القلق خشية فقدان مساحات ومكتسبات تم الاستحواذ عليها".

وفي 7 أكتوبر الجاري‏، أوضح أن الإعلام في مصر يدار بالخبرة والعقل وليس العضلات، وفكرة الإجبار والنص الواحد لن تنجحه.

وفي 16 أكتوبر أضاف: "لو امتنعنا عن تقديم المعلومات الدقيقة وبسرعة سنتيح للغير تقديمها بشكل مضلل أو ناقصا".


بعدها بيوم، أعاد هيكل، نشر "التصريح الأزمة"، لكن مجتزأ عن نظيره الذي نشر قبل شهر، حيث قال: "أصحاب الأعمار أقل من 35 سنة، ويمثلون حوالي 60 أو 65 % من المجتمع، لا يقرأون الصحف ولا يشاهدون التلفاز، وبالتالي من المهم التفكير في نمط حياة هذه الفئات".

وكان الوزير قد أدلى بهذا التصريح لأول مرة في مؤتمر إعلامي، يوم 30 سبتمبر الماضي، وجاء كالتالي: "أصحاب الأعمار أقل من 35 سنة ويمثلون حوالي 60 أو 65% من المجتمع (في مصر) لا يقرأون الصحف أو يشاهدون التلفار، وإنما يشاهدون فيديوهات متنوعة على أجهزة الموبايل وبالتالي من المهم التفكير في نمط حياة هذه الفئات، وتوظيف التكنولوجيا بشكل صحيح، وتوعية أولادنا بما يسمى التربية الإعلامية".

والتصريح الأزمة الذي أورده الوزير مجتزأ بإرادته عبر صفحته فيسبوك، لم يتضمن "وإنما يشاهدون فيديوهات متنوعة على أجهزة الموبايل"، وفارق بين العبارتين.

جاء هذا التصريح المجتزأ، ليكون وفق مراقبين بمثابة فرصة ذهبية لن تتكرر لكبح جماح هيكل الذي استمر على مدار 4 أشهر منتقدا بشكل لاذع لإعلام بلاده رغم أنه المسؤول الأول بالبلاد برلمانيا عن ذلك، وهنا جاءت أغلب الردود على مدار أيام من شخصيات بارزة مساندة للنظام، بمثابة "مدفعية ثقيلة" تجاه الوزير دون هوادة.

واتهم خالد صلاح، رئيس تحرير صحيفة اليوم السابع (خاص)، هيكل بـ"التنظير والتقصير في عمله".

وقال الإعلامي محمد الباز: "قلت له أن يتقدم باستقالته، لكن الوزير الذى ليس له فى السياسة أو الإعلام يسير إلى حتفه بقدميه".

وخرج الإعلامي، وائل الإبراشي ببرنامجه بالتلفزيون الحكومي، متسائلا: "كيف يمكن لوزير الإعلام أن يمارس مهامه وهو في حالة خصومة شديدة جداً مع كافة العاملين في الإعلام؟". .

وخرجت صحيفة الأخبار المسائي (مملوكة للدولة)، بعنوان "أسامة هيكل وزير إعلام ضد إعلام الدولة"، فضلا عن إشارة أكثر من وسيلة إعلام حكومية وخاصة إلى إن إعلام المعارضة بالخارج استند لتصريحات الوزير لـ"لمهاجمة" مصر.

ورد هيكل على مهاجميه بالإشارة إلى أن "هناك أوامر (لم يحدد مصدرها) جاءت لمجرد "أدوات" بشن "حملة جديدة ضده بتوقيت واحد وبنفس الكلمات"، دون التوقف عند مضمون ما قاله.


مع تصاعد الأزمة، تراجع هيكل، وقال الثلاثاء إن تصريحاته "أفرغت من سياقها"، داعيا لاجتماع ظهر اليوم الأربعاء لكل من هاجمه، لإنهاء الأزمة مؤقتا.

بالنهاية، يقول هيكل إنه ظل لنحو عشرين عاما قريبا من المشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع السابق، والاسم الأقرب للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبالتالي لا يمكن للتصريح المجتزأ أو ما سبقه من تصريحات دليلا على خلعه ثوب النظام أو قيادة معارضة الداخل، أو حتى عزمه الترشح في انتخابات رئاسية مقبلة على الأقل في المستقبل القريب.

هذا التوجه للتهدئة قد يذهب أدراج الرياح سعي المعارضة في الخارج للاستفادة من هذه المعركة، بالحديث عن "صراع مماليك" داخل النظام، و"أزمة داخلية بين أجهزة النظام"، إذ من المرجح أن تعود الأمور لطبيعتها ويختفى الجدل إلى حين وتنتهي "الفقاعة". 

 

إقرأ ايضا