الشبكة العربية

الثلاثاء 02 يونيو 2020م - 10 شوال 1441 هـ
الشبكة العربية

هل من سوابق تاريخية لتعطيل الجمع والجماعات ؟

بمناسبة ما نشهده حالياً من تفشي وباء كورونا وما تتخذه السلطات في غالبية البلدان من إجراءات لمواجهة انتشاره ، فإن البعض يتساءل هل سبق لتلك الإجراءات نظائر في التاريخ الإسلامي ، وبخاصة ما يتعلق منها بتعليق صلاة الجمع والجماعات في المساجد ؟
والحقيقة أن المُقلِّب في صفحات التاريخ يتضح له أن هذه ليست هي المرة الأولى التي يُضطر فيها الناس لترك الجمع والجماعات ، وأن ذلك قد حدث من قبل في وقائع كثيرة :
1-فمن أقرب تلك الوقائع إلى عصرنا ما ذكره الجبرتي رحمه اله  في تاريخه : عجائب الآثار في التراجم والأخبار ، عن الطاعون الذي وقع بمصر والشام سنة 1215هـ وهي الموافقة لسنتي ( 1800- 1801م)  ،حيث ذكر أن المساجد في بعض بلدان الصعيد -وتحديداً أسيوط- قد تعطلت في تلك الأيام من الأذان والإمامة وذلك لموت أرباب الوظائف وانشغال من بقي منهم حياً بالمشي وراء الجنائز . وأرى أن أنقل كلام الجبرتي بطوله ،لما فيه من رسمٍ لصورة واضحة لما كان عليه حال البلاد والعباد وقت انتشار الطاعون ، فقد قال رحمه الله : ( ومنها - أي من حوادث سنة  1215- وقوع الطاعون بمصر والشام ،وكان معظم عمله ببلاد الصعيد .أخبرني صاحبنا العلامة الشيخ حسن المعروف بالعطار المصري نزيل أسيوط مكاتبةً ،ونصه : ونعرفكم يا سيدي أنه قد وقع في قطر الصعيد طاعون لم يعهد ولم تسمع بمثله ،وخصوصاً ما وقع منه بأسيوط ،وقد انتشر هذا البلاء في جميع البلاد شرقاً وغرباً ،وشاهدنا منه العجائب في أطواره وأحواله ؛وذلك أنه أباد معظم أهل البلاد ،وكان أكثره في الرجال ،سيما الشبان والعظماء وكل ذي منقبة وفضيلة ،وأغلقت الأسواق ،وعزَّت الأكفان ،وصار المعظَّمُ من الناس بين ميتٍ ومشيِّع ومريضٍ وعائدٍ ،حتى إن الإنسان لا يدري بموت صاحبه أو قريبه إلا بعد أيام ،ويتعطل الميت في بيته من أجل تجهيزه ،فلا يوجد النعش ولا المغسل ولا من يحمل الميت إلا بعد المشقة الشديدة ،وأنَّ أكبر كبير إذا مات لا يكاد يمشي معه ما زاد على عشرة أنفار تُكترى ،وماتت العلماء والقراء والملتزمون والرؤساء وأرباب الحرف . ولقد مكثت شهراً بدون حلق رأسي لعدم الحلاق . وكان مبدأ هذا الأمر من شعبان وأخذ في الزيادة في شهر ذي القعدة والحجة حتى بلغ النهاية القصوى ،فكان يموت كل يوم من أسيوط خاصة زيادة على الستمائة ،وصار الإنسان إذا خرج من بيته لا يرى إلا جنازة أو مريضاً أو مشتغلاً بتجهيز ميت ،ولا يسمع إلا نائحةً أو باكيةً ،وتعطلت المساجد من الأذان والإمامة لموت أرباب الوظائف واشتغال من بقي منهم بالمشي أمام الجنائز والسبح والسهر ،وتعطل الزرع من الحصاد ونشف على وجه الأرض ،وأبادته الرياح لعدم وجدان من يحصده . وعلى التخمين أنه مات الثلثان من الناس . هذا مع سعي العرب في البلاد بالفساد والتخويف بسبب خلو البلاد من الناس والحكام .... ) .
2-ومن تلك الوقائع ما ذكره الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر بأبناء العمر ( 3/ 326) في حوادث سنة 827 هـ من وقوع وباء عظيم بمكة في أوائلها ،بحيث مات في كل يوم أربعون نفسا ، كما ذكر أن إمام المقام لم يكن يصلي معه في تلك الأيام إلا إثنان ، وأما بقية الأئمة فتركوا صلاة الجماعة بالحرم ؛لعدم وجود من يصلي معهم . والمقصود من قوله : إمام المقام ، إمام الشافعية ، وذلك لأن أتباع كل مذهب من المذاهب الفقهية كانوا في ذلك الزمان يقيمون جماعة خاصة بهم في الحرم المكي ،وكان لكل جماعة موضع خاص بها تصلي فيه ، فكان موضع جماعة الشافعية عند مقام إبراهيم عليه السلام .
3-ومنها ما ذكره الإمام الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام في حوادث سنة 448هـ  من وقوع وباء عظيم وقحط بالأندلس ، قال : ومات الخلق بإشبيلية بحيث إن المساجد بقيت مُغلقة ما لها من يصلي بها ،وسمي عام الجوع الكبير " .
4-ومنها ما ذكره العلامة المقريزي رحمه الله في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك ( 4/ 80 وما بعدها ) في حديثه عن الوباء الذي وقع بمصر والشام سنة ( 749) والذي قال عنه : إنه لم يعهد في الإسلام مثله  ،وإنه كان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى عشرين ألف نفس كل يوم  ، وإنه لم يحتج أحد إلى أدوية ولا أطباء لسرعة الموت ، إلى أن قال : ( وَبَطلَت الأفراح والأعراس من بين الناس ،فلم يعرف أَن أحداً عمل فرحاً في مدة الوباء ، ولا سمع صوت غناء . وتعطل الأذان من عدة مواضع ، وبقي فِي الموضع المشهور بأذان واحد ... وغلقت أكثر المساجد والزوايا . واستقر أنه ما ولد أحد في هذا الوباء إِلا ومات بعد يوم أو يومين ،ولحقته أمه ) .
هذا ،وقد ذكر أولئك العلماء وغيرهم من المؤرخين من تفاصيل الأوبئة التي تحدثوا عنها مثل ما نقلناه عن تاريخ الجبرتي من التفصيل ، لكني اكتفيت بنقل كلام الجبرتي إيثاراً للاختصار ، ولكون التفاصيل متشابهة في الجملة ، ومن شاء المزيد فله أن يرجع إلى المواضع المشار إليها من الكتب التي ذكرناها وغيرها من كتب التاريخ .
ومن هذا نرى أنه قد سبق تعطيل الجمع والجماعات بالمساجد -بل والأذان أيضاً - عدة مراتٍ في تاريخ المسلمين .
ربما كان الفارق بين تلك الوقائع وما نحن فيه أنه في مجمل الحالات السابقة كان الناس يُضطرون لهجر المساجد من تلقاء أنفسهم حين يشتد بهم الوباء ويضيق الحال ، أما في واقعنا المعاصر وما بلغته البشرية من العلم المادي ،فإن ذلك التقدم العلمي جعلنا نفكر في الأخذ بالأسباب التي يرجى معها التقليل من انتشار الوباء ، دون أن ننتظر إلى أن يتفاقم الأمر وتعظم الكارثة .وهذا ما حدا بالهيئات الشرعية في كثير من بلدان المسلمين إلى أن تفتي بجواز اتخاذ مثل تلك القرارات ،وإنْ كانتْ شاقةً على نفوس أهل الدين والإيمان ، ولكنها الضرورة وأحكامها .ومن قبلُ كان الشيخ ابن عثيمين رحمه الله قد أفتى بجواز ذلك في تعليقه على صحيح البخاري ؛حيث قال تعليقاً على قول الإمام البخاري في كتاب الحج : باب إغلاق البيت ،ويصلي في أي نواحي البيت شاء ، قال ما نصه : ( أراد المؤلف رحمه الله هنا أنْ يبين أنَّ إغلاق المساجد والكعبة ،وما أشبه ذلك للحاجة لا بأس به، ولا يقال: إنَّ هذا من مَنْع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه ؛ لأنَّ هذا لمصلحة أو لحاجة أو لضرورة أحيانًا ،فلا حرج ) .
أخيراً : لا يفوتني أن أذكِّر بأننا حين نوازن بين ما نحن فيه من البلاء ،وبين ما وقع في الأوبئة في العصور السابقة ، فسنجد أن ما نحن فيه لا يساوي شيئاً بالنسبة لهذا الذي نقلناه عن الجبرتي وغيره ، من كثرة الوفيات ،وتعطل الأعمال وغير ذلك . لذا فإنا نستشعر رحمات الله بعباده ،ولطفه بهم ،مع ما نحن متلبسون به من المعاصي والذنوب . أسأله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا وعنكم بمنه وكرمه ،وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ، وأن يوفقنا جميعاً للتوبة الصادقة من كل المعاصي والذنوب . إنه ولي ذلك والقادر عليه .


عبد الآخر حماد
* عضو رابطة علماء المسلمين

 

إقرأ ايضا