الشبكة العربية

الثلاثاء 07 أبريل 2020م - 14 شعبان 1441 هـ
الشبكة العربية

قتل الوالد بولده بين الفقه والقانون

تكررت في الآونة الأخيرة حوادث قتل الآباء لأولادهم في بلادنا ، حتى صارت ظاهرة مقلقةً لافتةً للنظر . وقد تابعت بعضاً من أخبار تلك القضايا واستوقفني ما صدر فيها من أحكام قضائية ، وأنه غالباً ما يُحكم فيها بالإعدام بناءً على توافر ركن العمدية مع سبق الإصرار والترصد .وهذه كلمات يسيرة حول هذه المسألة ،وما يتعلق بها من أحكام :  
أولاً: لا جدال في أن قتل النفس المعصومة محرمٌ في الإسلام تحريماً قطعياً ، وأنه من كبائر الذنوب ، كما قال تعالى : ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) [ النساء : 93]. كما أن الأصل أن العقوبة في حال القتل العمد هي القصاص ،أي بقتل القاتل ، وذلك لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) [ البقرة :178]. لكن حالة قتل الوالد لولده لها خصوصية حيث يرى جمهور أهل العلم أن الوالد لا يقتل بولده ،حتى وإن تعمد قتله ، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة ،كما في المغني لابن قدامة ( 9/ 360) ،وذلك استناداً لحديث : ( لا تقام الحدود في المساجد ولا يقتل الوالد بالولد ) وقد أخرجه الترمذي ( 1401) وابن ماجه ( 2661) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، ومثله حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يُقاد الوالدُ بالولدِ) وقد أخرجه الترمذي ( 1400) وابن ماجه (2662 ) وأحمد ( 1/ 16) . وقد تكلم بعض أهل العلم في سند الحديثين ،فقالوا بضعفهما ،منهم علي بن المديني والترمذي وابن الجوزي وأبو بكر بن العربي ، لكن صححههما  أو حسنهما آخرون منهم البيهقي والحافظ ابن حجر كما نقله الألباني في إرواء الغليل ( 7/ 268) ، وكذا شعيب الأرنؤوط في تحقيقه للمسند ، وصححهما الألباني بمجموع طرقه في إرواء الغليل ( 2214) .
وقد خالف في هذه المسألة الإمام مالك رحمه الله حيث ذهب كما في المغني ( 9/ 360) إلى أنه إنْ كان القتل عمداً لا شبهة في أنه عَمَد إلى قتله دون تأديبه ، فإنه يُقتل الوالد بولده ، وذلك كأن يقتله ذبحاً بالسكين ، وأما إن قتله حذفاً بالسيف ونحوه ، فلا يقتل به .
هذا وقد خالف بعضُ المالكية قولَ مالك رحمه الله ؛ فذهب تلميذه ابن عبد الحكم إلى أنه يُقتلُ الوالدُ إنْ قتل ولده عمداً دون اشتراط ما اشترطه شيخه من انتفاء شبهة العمد إلى قتله ، كما ذكر ابن قدامة في الموضع المشار إليه آنفاً ، في حين ذهب أبو عمر بن عبد البر إلى قول الجمهور في عدم قتل الوالد بولده كما في كتابيه : التمهيد ( 11/ 599) ،والكافي في فقه أهل المدينة المالكي ( ص: 589). 
ثانياً: أما في القانون المصري فإنه لا فرق  بين حالة كون القاتل والداً للمقتول وغيرها من الحالات ، فقد نص قانون العقوبات المصري في مادتيه (230 )و( 234)، على أنه يعاقب من قتل نفساً عمداً مع سبق الإصرار والترصد بالإعدام، أما من ارتكب نفس الجريمة من غير سبق إصرار أو ترصد فيعاقب بالسجن المؤبد أو المشدد  .
ثالثاً : واشتراط القانون أن يكون القتل مع سبق الإصرار والترصد لكي تحكم المحكمة بالإعدام ، قريب من اشتراط مالك أن يكون القتل عمداً لا شبهة فيه . ومع ذلك فإن هناك فروقاً جوهريةً بين ما ذهب إليه الإمام مالك ، وبين هذا الذي نقلناه عن قانون العقوبات .
1-فمن تلك الفروق أن الإمام مالكاً يشترط ذلك التشديد في حالة قتل الوالد لولده فقط ، لكنه في غير تلك الحالة لا يشترط ذلك بل يقول - كغيره من أهل العلم - بالقصاص إذا كان القتل عمداً . وأما القانون فقد عمَّم ذلك في كل حالات القتل ، فنص على أن القاضي لا يحكم بالإعدام إلا إذا كان القتل عمداً مع سبق الإصرار والترصد . واشتراط سبق الإصرار والترصد بهذا العموم ،لا نجد له سنداً من نصوص الشريعة ، بل ( لم يقل به أحد من المسلمين، لا من المجتهدين ولا المقلدين، ولا موضع له في النظر السليم ) كما يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في كتابه : القرأن والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر ( ص: 32) .
2-ومنها أن القانون قد أعطى القاضي حق تخفيف الحكم بالنزول به درجة أو درجتين ؛ حيث نصت المادة (17 ) من قانون العقوبات المصري على أنه " يجوز للمحكمة إذا اقتضت أحوال الجريمة الرأفة أن تستبدل بعقوبة الإعدام عقوبة الأشغال المؤبدة أو الأشغال المؤقتة". أما مذهب مالك فهو كغيره لا يعطي القاضي حق تخفيف العقوبة ، بل متى ثبتت العمدية وجب الحكم بالقصاص .
3-لكن في الشريعة الإسلامية ما هو أفضل وأرحم مما في المادة (17) ، وأعني به مبدأ جواز عفو أهل القتيل عن القاتل ، وقد أجمع أهل العلم كما في المغني لابن قدامة ( 9/ 464) على إجازة العفو عن القصاص ، وأنه أفضل من الإصرار على استيفائه. وذلك لقوله تعالى بعد ذكر وجوب القصاص في القتلى : ( فمن عُفيَ له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة )[ البقرة : 178] ، وقوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ... ) إلى قوله : (  والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له) [ المائدة:45].وأما من السنة :فلقول أنس بن مالك رضي الله عنه : ( ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص ، إلا أمر فيه بالعفو ) .[ أخرجه أبو داود (4497)، والنسائي (4784)، وابن ماجه (2692)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ].
4-بل أكثر من ذلك فإن أكثر أهل العلم كما ذكر ابن قدامة في المغني ( 9/ 464) على أنه إذا عفا بعض أولياء الدم ،فإنه يسقط القصاص بذلك العفو ، حتى لو كان العافي واحداً فقط ،ولا يبقى لأحد إليه سبيل . إلا أنه يبقى لمن لم يعفُ حقُه من الدية سواء كان العفو مطلقا أو إلى الدية ؛ وذلك لأن حقه من القصاص سقط بغير رضاه ، فثبت له البدل ،وهو حقه في الدية .
رابعاً : وهذا المبدأ –أي مبدأ إعطاء أولياء الدم حق العفو عن القاتل - لا وجود له في القانون المصري ، وإنما غاية ما فيه أنه يجوز لورثة القتيل التنازل عن دعواهم المدنية أي المتعلقة بطلبهم تعويضاً مالياً عن قتل مورثهم . أما الشق الجنائي فليس لهم التنازل عن دعواهم فيه ، ولا يحق لهم العفو عن القاتل إذا صدر عليه حكم قضائي بالإعدام أو غيره .ولا شك أن هذا يعرقل جهوداً كثيرة للإصلاح يمكن أن يقوم بها أهل الخير ولجان المصالحات ،وخاصة في الصعيد ،حيث تكثر حوادث القتل والثأر التي كان يمكن التقليل منها وتدارك آثارها السلبية بإعطاء أهل القتيل الحق في التنازل عن دعواهم ،أو العفو بعد صدور الحكم ؛إذ إنه في كثير من الأحيان يكون أهل القتيل على استعداد للتنازل عن دعواهم في مقابل مطالب معينة كتعويض مادي أو معنوي ،ويقبل القاتل وأولياؤه بذلك ،ولكن يصطدم الطرفان بأن القانون لا يعترف بمثل هذا التنازل . وفي هذه الحالة يلجأ المصلِحون إلى حيلةٍ لا تخلو من مخالفة شرعية ، وهي أن يتوجه أهل القتيل إلى الدوائر القضائية ،ليعدلوا عن أقوالهم السابقة التي فيها اتهام شخص معين بالقتل.
وهنا تظهر مشكلتان : الأولى أنهم لكي يغيروا أقوالهم لا بد لهم من الكذب وقول غير الحقيقة ، بل إنهم يُلزمون بحلف اليمين ،فهم يحلفون بالله العظيم على قولٍ يعتقدون أنه كذب ، والمشكلة الثانية أنه برغم ذلك التغيير في الأقوال إلا أن ذلك لا يُلزم القاضي بالأخذ بهذه الأقوال الجديدة ، بل له أن يأخذ بها أو بالأقوال السابقة . وهذا فيه ما فيه من عرقلة جهود الإصلاح وتضييق سُبلها.
وبخصوص حالة قتل الوالد بولده ، فإننا حتى لو أخذنا بقول الإمام مالك في قتل الوالد بولده ، فإنه مع فتح باب العفو لأولياء الدم فإني أظن -والله أعلم - أنه يستحيل ألا يوجد في أولياء الابن المقتول من يقبل بالعفو عن الوالد القاتل ، ويكفي أن ننظر مثلاً إلى أم هذا الابن القتيل ،فإني أظن أنه إذا أتيح لها حق العفو فلا بد أنها ستعفو عن زوجها ؛حتى لا تفجع بفقد زوجها بعد أن فقدت ولدها .
خامساً: هذا وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه عند عفو أولياء الدم عن القاتل، فإنه يجوز لولي الأمر أن يوقع عليه عقوبة تعزيرية ، وبخاصة إذا  كان القاتل معروفًا بالشَّر؛ وقد قال الإمام مالك في القاتل عمداً إذا عُفي عنه ( يجلد مائة جلدة ويسجن سنة ) . كذا في الموطأ ( 2/ 874)، وقد نقل القرطبي في تفسيره ( 3/ 48) مثل ذلك عن الأوزاعي والليث بن سعد .فيمكن الأخذ بذلك القول في الحالات التي يخشى فيها من أن يؤدي العفو عن القاتل إلى استمراره في الشر والإفساد في الأرض .
سادساً: وأخيراً فإني أود أن أختم هذه السطور بالإشارة إلى أن كل هذا العوار الذي لاحظناه في النصوص القانونية المشار إليها ، قد تلافاه مشروع قانونٍ أنجزته إحدى لجان تطوير القوانين وفق أحكام الشريعة ،التي  كان مجلس الشعب قد شكلها أيام رئاسة الدكتور صوفي أبو طالب رحمه الله له ، والتي انتُهِيَ من  إعداد مشروعاتها سنة 1983 ، لكنها لم ترَ طريقها إلى الإقرار حتى الآن.
فقد نص مشروع قانون الجناية على النفس الذي أعدته لجنة القوانين الجنائية في مادته الأولى على أن : ( كل بالغ قتل نفساً عمداً يعاقب بالإعدام قصاصاً إذا كان المقتول معصوم الدم ، وليس فرعاً للقاتل ) ، وبهذا يكون قد أخذ بقول الجمهور في عدم قاتل الوالد بولده .
كما أنه قرر مبدأ جواز العفو في القصاص حيث نص في مادته الخامسة على أن : ( القصاص يسقط بعفو المجني عليه ،أو بعض أولياء دمه دون غيرهم ،أو بإسقاط بعض الأولياء حقهم بمصالحةٍ على مال ، ويجب للباقي منهم نصيبه في الدية).
وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذه المادة أنه إذا اختار المجني عليه العفو قبل وفاته ،وبعد الاعتداء عليه ،فإن  القانون قد أخذ برأي من قال إنه ليس للورثة في هذه الحالة حق في طلب القصاص ، لسقوطه بعفو المقتول . كما أشارت المذكرة أيضاً إلى أنه إذا اختار المجني عليه أو أولياؤه العفو فإنَّ لولي الأمر أن يعاقب القاتل بعقوبة تعزيرية ، ذلك أن الاعتداء إفساد في الأرض وولي الأمر منوط به منع الفساد ، وإذا كان القاتل قد نال العفو من المجني عليه أو ولي الدم بأي طريق ، فإن حق المجتمع باقٍ بيد ولي الأمر ، وله أن يضع من العقوبات التعزيرية الرادعة ما يراه أحفظ لحقوق المجتمع وأمنع للفساد في الأرض .
كما نصت المادة الخامسة والثلاثون على أن ( العفو عن القصاص يكون على دية ،ويجوز أن يكون عفواً مطلقاً ،متى كان صريحاً في الإبراء منها وفي هذه الحالة لا يقبل العدول عنه .. والعفو يكون للمجني عليه أو أحد أولياء الدم حتى تنفيذ القصاص ) .وجاء في المذكرة الإيضاحية لذلك : ( العفو مقبول ونافع قبل الرفع وبعد الرفع إلى الحاكم وقبل الخصومة وبعدها وقبل الإثبات وبعده ، ... وأن هذا الحق يستمر لأولياء الدم حتى تنفيذ القصاص ) .هذا والله ولي التوفيق. 


عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
18/ 6/ 1441هـ- 12/ 2/ 2020م  

 

إقرأ ايضا