نوافذ

السبت 16 يناير 2021م - 03 جمادى الثانية 1442 هـ
نوافذ
ADS

"بدل رفو" عاشق المحروسة (2)

ADS
تكملة لمقالي السابق عن الرحالة والمثقف الكردي "بدل رفو"، فقد أشرت إلى أمنيته أن تكون مسرحية "الفرافير" ليوسف إدريس ممثلة لمصر في العرس الثقافي الأوروبي بمدينة جراتس النمساوية، وقتما كانت عاصمة أوروبا الثقافية لعام 2003، لكن لم يسعفه الوقت للتواصل مع السفارة المصرية بفيينا آنذاك. 
فقد رأى في هذه المسرحية بعدًا يتعدى الحدود المصرية لبعد عالمي، حيث يعرض العلاقة العكسية بين الحاكم والمحكوم في أي بقعة من بقاع الأرض، وكيف تكون هذه العلاقة هي الدافعة لكل أحداث التاريخ والمؤثرة على تفاصيل الحياة اليومية، وكيفة الفكاك من هذه العلاقة العكسية بمزيد من التقارب أومن التمرد.
وقد استغل "بدل رفو"، الاحتفالية العالمية في التعريف عن نفسه وعن شعبه، وأوصل قضايا شعبه إلى دوائر ثقافية رفيعة للمجتمع الأوروبي آنذاك، وأطلعهم على مساهماته الأدبية والشعرية ورحلاته عن قرب 
 =بدل رفو =
 إبن بطوطة الكرد، فقد جاب العالم من أقصاه إلى أقصاه، من كهوف زاباتا، كهوف الثورة المكسيكية، التي قادها زاباتا الثائر ضد الإقطاع هناك، وكان شعاره الأرض لمن يزرعها. 
وألقى محاضرة هناك في معهد ميكسيكي في مدينة جولولا عن التسامح الإنساني، والتقارب البشري بين كل البشر والشعوب، بعد المحاضرة حلّ ضيفآ على عمدة المدينة بدعوة منه 
مرورًا بعمق الريف الهندي البعيد الذي لم يصل إليه أي سائح قبله في هذه   القرى البعيدة جدًا، ومقابلته بعد ذلك بالأميرة ماهراني حفيدة المهراجا  "جابهادور"، حيث أمضي ليليتين في قصر المهراجا، وتحدث مع الأميرة عن شعبه من الكرد ودولته العراقية وإرثهما الحضاري والإنساني.
وقد مر "بدل رفو" على طاجيكستان ثم على كازاخستان، وفوجئ بأطياف مختلفة من شعبه الكردي هناك، وبأعداد كبيرة. كل هذه السفريات والرحلات جعلته ذا حس إنساني وإبداعي رفيع، فضلاً عن ثرائه الفكري، مما ألهم بعضًاً من الباحثين أن يكتبوا عنه وعن تنوعه الإبداعي، وكان محور رسائل علمية. 
وعلى الرغم من كل تجاربه وسفرياته الدائمة والمتنوعة، كان يشتاق دائمًا لزيارة  أم الدنيا، أو المحروسة، وهو يعلم تمام العلم بأن هذه الرحلة لها استعدادات خاصة جدًا، بخلاف رحلاته السابقة من حيث عامل الوقت  وإطالة مدة الرحلة، لأنه كان يدرك تمامًا أن بلد عظيم بحجم مصر لن يستمتع بوجوده لمعها فترة زمنية قصيرة، وهذا كان السبب الرئيسي لتأجيل الرحلة عدة مرات، لعدم اتساع الوقت عند كل مرة ينوي المجيء فيها إلى مصر. 
وأخيرًا، تهيأت له الظروف بصورة كبيرة، وقرر البدء في رحلته الطويلة  حيث أمضى بها شهراً  كاملاً، قائلاً: "كنت أؤجل سفرياتي إليها لأنني أعرفها حق المعرفة، لأستعيض عنها برحلة لدولة أخرى، ولكن باغتني الحنين لكي أزورها، لكي يتلامس عندي ماكنت أقرأه عن الحارة المصرية من خلال ثلاثية نجيب محفوط، وعن أولاد البلد في رائعة أسامة أنور عكاشة في ليالي الحلمية والواقع الحقيقي الذي ألهم هؤلاء المبدعين للتعبير عنه. 
تمنيت أن أجلس على قهوة الفيشاوي، وأتجول في خان الخليلي، وأن أشاهد إحدى عجائب الدنيا السبع هرم خوفو، وأزور متحف أم كلثوم الذي أبهرني  كثيرًا، فقد عشت داخله ذكريات كل اغانيها، واستعدت أجمل الذكريات عن مرحلة الشباب وفترة دراستي في جامعة بغداد، انبهرت طبعًا بكل هذا، ولكن ما أبهرني أكثر هو هذا الشعب المضياف الكريم، لم أتخيل وأنا أقيم بمنطقة لاظوغلي أن أتعرف على معظم الناس بهذه السرعة والبساطة والضحكة الجميلة الصادرة من قلوب طيبة، لدرجة أن مذيعًا بالإذاعة المصرية، ولم يكن بيني وبينه سابق معرفة قد استضافني بكل بشاشة وترحاب بمنزله، بالفعل شعب عظيم وعنده زخم حضاري عجيب، يجعله يعيش متقبلاً ومتأقلمًا مع أشد الظروف قسوة، وهو مثابر وضاحك وهذه السمات لا تجدها إلا في شعوب قليلة، بداخلها البذرة الحضاربة المتوارثة..
لذا - مازال الحديث لبدل رفو - لم أقلق مطلقًا على هذا الشعب الذي تعرفت عليه سابقًا في كردستان والعراق، وعرفت عنهم أنهم أهل جلد وصبر وتحمل المشقة بقدرة عجيبة جدًا، فهذا الشعب وجد ليبقي. 
حتي في أحلك الظروف تجده يحمل في يده طاقة من نور، ليستكمل بها الحياة، ولن أنسى أبدًا تجربتي الإنسانية الرائعة وأنا في منطقة المقابر  (القرافة)، حيث قضيت هناك ليلتين، نمت في حوش المقبرة مع عائلة مصرية لا أنسى أبدًا بساطتها وحفاوتها الرائعة بى، لدرجة أنهم استحلفوني أن أمكث معهم عده أيام أخرى، وبإلحاح عجيب، فلقد آسروني بكرمهم وحبهم للحياة، بالرغم أنهم يعيشون مع الأموات في حوش واحد.. 
فمصر مختلفة تمامًا عن أي بلد آخر زرته، ففيه عبق الماضي والتاريخ في كل شبر وفي كل ركن من أركانها، والقاهرة الإسلامية متحف مفتوح بكامل ثرائه وتنوعه وشموخه، إنها حالة خاصة وبصمة خاصة ليس لها نظير، كانت رحلة ممتعة بالنسبة لي بإيجابياتها الكثيرة وسلبياتها. 
نعم هناك سلبيات كثيرة، ولكنها سلبيات طبيعية من بيئة المكان، ومصر  قادرة على محو هذه السلبيات بكل بساطة، لأن مصر تستحق الأفضل دائمًا  وتتطلع إلى مستقبل مشرق جدير بها. 
وأفضل ما قمت به هو مشاركة الناس البسيطة والتفاعل معهم، فلقد جلست علي المقاهي الشعبية، وأكلت الأكلات الشعبية المصرية الشهيرة في منطقة السيدة زينب، وتناولت هناك أطعم وألذ طبق زبادي في العالم بأسره، حيث كان موضوعًا في كأس من الفخار، وأصبحت مدمنًا له في تلك الفترة.
ففي هذه الأحياء البسيطة، أشعر براحة غريبة حيث هناك كل شيء حقيقي وبلا تزييف، والتقرب للإنسان هناك أسهل مايكون لذا فأنا أهتم جدًا بـ "سياحة الإنسان"، هذه هي السياحة العادلة والطبيعية بعيدًا عن حياة الفنادق  والبرامج السياحية المحددة، ولكن سياحة الإنسان هي عندي السياحة الأفضل والأهم.
كانت بانسبة لي رحلة مصورة صورتها في مخيلتي، وأثبتها على أرض الواقع على أرض الحضارة والإنسان البسيط على أرض تعتبر متحفًا مفتوحًا  بكل ثراء وتنوع، حتى افردت لمصر ولرحلاتي إليها مساحة كبيرة تتناسب مع شموخها وثرائها الحضاري الكبير، وقد ذكرتها في كتابي العالم بعيون كردية.. وكتابي الآخر مصر بلد الحضارة.
ولقد كنت علي موعد في أواخر العام الماضي قناة النيل الثقافية المصرية لأتناول في برنامج لها رحلاتي الي مصر وانطباعاتي عنها، ولكن وللأسف أزمة كورونا العالمية حالت بيني وبين اللقاء والذهاب مرة أخرى الى مصر.. معشوقتي.
 

إقرأ ايضا