الشبكة العربية

الإثنين 26 أغسطس 2019م - 25 ذو الحجة 1440 هـ
الشبكة العربية

المشكلة الكبرى في الاقتصاد العالمي

ما يحدث الأن في الاقتصاد العالمي مشابه لأجواء الأزمة المالية التي عصفت بالغرب قبل 11 عاما ويتواكب هذا مع قيام بعض المحللين الاقتصاديين وعدد من خبراء صندوق النقد الدولي بالترويج لما يسمى بالنظرية النقدية الحديثة والتي نختصرها بالإنجليزية إلى MMT وتقوم هذه النظرية على فرضية مثيرة للجدل وهي  أن أي حكومة في سعيها لتحقيق معدلات نمو اقتصادي  مرتفعة  يمكنها أن تطبع أو تقترض ما تشاء من نقود لتمويل احتياجاتها من السلع والخدمات والمعدات والأصول دون خوف من الإفلاس أو العجز عن سداد ديونها لأنه بموجب صلاحياتها يمكنها خلق المزيد من النقود دون الحاجة لزيادة الضرائب أو حتى إصدار أدوات دين.

المشكلة هنا أن هذه السياسة سوف تؤدي الى ارتفاع معدلات التضخم بمعدلات كبيرة، ولكن هذه النظرية تقول إنه فور تحقيق معدل النمو المستهدف يمكن تخفيض التضخم من خلال الضرائب وإصدار السندات الحكومية التي تعمل على امتصاص السيولة الزائدة من الأسواق.
والحقيقة أن هذه النظرية ملائمة للاقتصاد الامريكي أكثر من غيره بحكم كون الدولار هو العملة الأقوى في العالم وعملة الاحتياطي الدولي الأولى. وسبب أن الأوراق المالية الأمريكية مضمونة بنسبة 100% هو أن الحكومة الأمريكية لا يمكن أن تفلس أو أن تعجز عن سداد ديونها لأنه يمكنها طبع المزيد من الدولارات في أي وقت. ولذلك تقبل كل دول العالم على الاستثمار في أذون الخزانة والسندات الأمريكية دون خوف. 
وهذا لا يعني أن أمريكا تطبع الدولار بشكل عشوائي بل إن لديها حساباتها الخاصة والمعقدة التي يشرف عليها بنك الاحتياطي الفيدرالي والدليل على هذا أن معدلات التضخم في أميركيا منخفضة للغاية. عكس الحال في الكثير من الدول المتخلفة التي تتخذ العشوائية منهجا للحياة في كل شيء. وقد بدأت العديد من الدول الآخذة في النمو في تطبق النظرية النقدية الحديثة دون أن تعلن عن هذا وصندوق النقد الدولي على ما يبدو سعيد بهذا لأنها وسيلة جيدة لضمان استرداد الديون التي يقدمها لهذه الدول. 

هذه النظرية بالطبع تتعارض مع النظرية الاقتصادية التقليدية التي تربينا عليها والتي تقول إن النفقات الحكومية ينبغي أن تمول من الضرائب والموارد السيادية الأخرى مع نسبة معقولة مما نسميه بالتمويل بالعجز. ولكن الحاصل الآن هو إن العالم كله بدأ يعاني من زيادة الديون الرخيصة بشكل خطير وآثارها الضارة كما سوف نوضح حالا.

وكنوع من التمويه على ما ذكرناه سابقا تسود الأوساط الاقتصادية العالمية هذه الأيام حالة من الرضى بعد لقاء ترامب بالرئيس الصيني مؤخرا في قمة العشرين الكبار التي عقدت في اليابان حيث تم الإعلان عما يشبه الهدنة بين أمريكا والصين في حربهما التجارية التي بدأها ترامب بزيادة الرسوم الجمركية من 10% الى 25% على ما يقرب من نصف صادرات الصين لأمريكا بسبب تفنن الأولى في وضع كل أنواع الحواجز أمام صادرات أمريكا واختلال الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين على مدار سنوات طويلة.
وكما أعلن فقد قدمت الصين بعض التنازلات في المؤتمر المذكور في مقابل توقف أمريكا عن فرض المزيد من الرسوم الجمركية والسماح للشركات الأمريكية باستئناف تعاملاتها التجارية مع شركة هيواوي عملاق الاتصالات الصينية والتي سعى ترامب الي تدميرها كما المحنا في مقال سابق.
وحسب تصريحات وزير الخزانة الأمريكي فإنه لا زالت هناك بعض المشاكل العالقة بين البلدين قدرها بحوالي 5% فقط ولكنها في رأينا كفيلة بنسف أي اتفاق يكون ترامب طرفا به.
وطوال الأسابيع وربما الاشهر الماضية وكل الدوريات الاقتصادية العالمية تتحدث عن مخاطر الحرب التجارية بين أمريكا والصين على النمو الاقتصادي العالمي وعلى اقتصاديات الدول النامية والدول المتقدمة .....الخ 

ونحن لا نجادل في حقيقة أن أي حرب تجارية بين هذين العملاقين سوف يكون لها تداعيات سلبية على البلدين وعلى الكثير من البلاد الأخرى التي ترتبط سلاسل إمداداتها بالصين وأمريكا. ولكن هناك مشكلة أخطر بكثير من كل الحروب التجارية وهي عرضة للانفجار في أي وقت وبدايات آثارها السلبية واضحة في كل الدول تقريبا دون أن تحظى باهتمام كاف من السياسيين وصناع القرار بل إن هنالك حالة من التجاهل المتعمد لهذه المشكلة المزمنة.
والمشكلة هي تعمد الإبقاء على معدلات منخفضة جدا لأسعار الفائدة على الودائع  والقروض في كافة الدول المتقدمة وذلك بغرض تخفيف عبء خدمة الديون الضخمة التي تعاني منها هذه الدول على موازناتها العامة وتمكينها من الاستمرار في اقتراض أموال المودعين والمدخرين وأصحاب المعاشات بأقل تكلفة ممكنة لتمويل العجز المالي المتزايد في الحسابات القومية للحكومة والناتج عن الوعود الكبيرة وغير العقلانية التي يقطعها السياسيون على أنفسهم أمام الناخبين من أجل البقاء في الحكم حتى ولو كان الثمن اشباع احتياجات الجيل الحالي ببذخ وديون على حساب أجيال المستقبل ناهيك عن توريثهم بيئة ملوثة نتيجة الإنتاج الضخم وغير الضروري والاستهلاك الشره والمبالغ فيه.

والموقف مشابه في الدول الآخذة في النمو والدول الفقيرة ولكن بسياسات نقدية مختلفة حيث تحتفظ هذه الدول بأسعار فائدة مرتفعة للحفاظ على عملاتها من الانهيار أمام العملات الدولية القابلة للتحويل والتداول بحرية في جميع أنحاء العالم، بمعنى أن أسعار الفائدة المرتفعة على العملات المحلية الضعيفة ضرورة لتشجيع الناس على تحويل ما قد يكون لديهم من عملات دولية إلى العملة المحلية للحصول على عائد معقول بدلا من الادخار بالدولار مثلا والحصول على عائد ضعيف.

وهذه الدول أيضا تعاني من مشاكل المديونية المرتفعة على المستوى الحكومي بسبب العجز المالي المزمن لنفس الأسباب التي ذكرناها سابقا والخاصة بالدول المتقدمة، والفارق بين الحالتين هو أن انخفاض أسعار الفائدة إلى ما يقارب الصفر في الدول المتقدمة أدى الى تحييد دور سعر الفائدة كأداة رئيسية في السياسة النقدية مما يضطر هذه الدول الآن الي اللجوء إلى سياسات التيسير النقدي أي طباعة النقود من أجل شراء السندات الحكومية المتداولة وشراء سندات الشركات من اجل زيادة المعروض النقدي على أمل تشجيع الشركات على الإنفاق الاستثماري وتحفيز النمو الاقتصادي وزيادة الاستهلاك ورفع نسبة التضخم المتدنية جدا وتجنب الركود. 

وكما هو ملاحظ فإن رافعة النمو الأساسية هنا هي الديون الرخيصة وهي سياسة ذات مخاطر عديدة منها أن قطاع الأعمال والأغنياء يستفيدون من أسعار الفائدة المنخفضة للقيام بالاقتراض والاستثمار لزيادة أصولهم وثرواتهم على حساب مدخرات محدودي الدخل والمعاشات الذين يحصلون على عوائد ضعيفة جدا أقرب الى الفتات علي مدخراتهم وشقى عمرهم. وبالطبع فإن هذه السياسات المنحازة الأغنياء تزيد من اتساع فجوة الدخل والثروة بين الأغنياء والفقراء الأمر الذي يهدد السلام المجتمعي في هذه الدول وقد رأينا ما حدث في فرنسا من انتفاضة أصحاب السترات الصفراء.

أما في الدول الفقيرة والآخذة في النمو فإنها تطبع النقود بشكل أساسي لسداد الالتزامات الحكومية نحو الديون الضخمة القائمة ولتمويل بعض النفقات العامة المطلوبة للتعليم والصحة ودعم الفقراء والمحافظة على أمن النظام الحاكم.  وعكس ما هو حاصل في الدول المتقدمة فإن الاصدار النقدي الجديد هنا يشعل التضخم ويحيل حياة الفقراء والموظفين والمعاشات إلى جحيم في الوقت الذي يتكيف فيه الأغنياء وأصحاب الأعمال مع التضخم الجامح بسهولة تمكنهم من تحويل أعباءه إلى أصحاب الدخول الثابتة لزيادة معاناتهم أكثر وأكثر.


     
ولعلنا نتذكر هنا أن الأزمة المالية العالمية ما بين عامي 2007 و2008 ترجع بالأساس إلى تقديم أسعار فائدة منخفضة لتشجيع الأمريكان من متوسطي الدخل على الاقتراض لشراء منازل وسيارات ولكن عندما بدأت أسعار الفائدة في الارتفاع عجز الناس عن سداد ديونهم وأعلنت وخسرت كل الشركات والبنوك الأمريكية والعالمية التي استثمرت في هذه الديون وتم افلاس العديد منها وقامت الحكومات خاصة الأمريكية بتقديم كفالات مالية ضخمة لم تحدث من قبل لإنقاذ العديد من البنوك وشركات الرهن العقاري وشركات الأوراق المالية والتأمين وشركات السيارات. ومرة أخرى حدثت كل هذه الكوارث المالية بسبب الاستهتار في منح الديون بأسعار فائدة منخفضة ثم بيع هذه الديون لشركات الأوراق المالية والبنوك الأوروبية من خلال عمليات توريق securitization معقدة. 

والخلاصة أن مشكلة الديون الضخمة التي تعاني منها ليس فقط الحكومات ولكن أيضا قطاع الأعمال والقطاع العائلي في معظم دول العالم ترجع بالأساس إلى انخفاض أسعار الفائدة والمزايا الضريبية التي تمنح للشركات لتشجيعها على الاقتراض والاغراءات التي تمنحها البنوك للأفراد للحصول على كروت الائتمان للاستدانة من أجل التسوق والاستهلاك الترفيهي. كل هذه القروض ستنتهي بإفلاسات وديون معدومة بالبلايين ومراكز مالية سيئة للبنوك بمجرد البدء في رفع أسعار الفائدة ولو بقدر ضئيل. 
علما بأن رفع أسعار الفائدة بعد انخفاضها لفترة تزيد عن العقد أمر حتمي بحكم خضوع كل الاقتصادات العالمية لدورات اقتصادية متناقضة ومتتابعة وحتمية.
وأود هنا أن أؤكد على ملاحظة هامة نابعة من مفهوم الدورات الاقتصادية وهي أنه في ظل العجز المالي المتزايد والارتفاعات المتعاقبة في نسبة الديون الحكومية الي الناتج المحلي الإجمالي في الدول المتقدمة كان من المفترض أن تزيد نسبة أسعار الفائدة بسبب زيادة الطلب على القروض ولكن أسعار الفائدة ظلت منخفضة وهذا يؤكد أن هناك قوى خفية أو ذات نفوذ وراء الإبقاء على هذه السياسة. هذا بالإضافة إلى فقدان الكثير من البنوك المركزية استقلالها وتدخل السياسيين في أعمالها. ومنذ حوالي شهرين صرح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في أمريكا بإن البنك سوف يبدأ في تطبيع السياسة النقدية بإجراءات كثيرة منها البدء في رفع أسعار الفائدة ولكن ترامب رفض هذا التوجه لإنه سيؤدي إلى انخفاض معدلات النمو ويقلل من فرصه في الفوز بفترة رئاسة ثانية وهدد بفصل رئيس الاحتياطي الفيدرالي من عمله. 
والمدهش أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي ظهر منذ يومين ليعلن خفض أسعار الفائدة على الدولار بمعدل 0.25% من أجل الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة! ونتوقع أن تفعل باقي البنوك المركزية الغربية نفس الشيء. 
 
إنه شيء مؤسف وعلى ما يبدو فان العالم أصبح خارج السيطرة والسبب غريزة الطمع التي خلقنا الله بها وطلب منا أن نرودها ونسيطر عليها بمعرفتنا رغم أنه يعرف أننا أسوأ خلقه.


د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي 
[email protected]
 

إقرأ ايضا