الشبكة العربية

الأربعاء 30 سبتمبر 2020م - 13 صفر 1442 هـ
الشبكة العربية

التحذير من ترك الأضحية بدعوى الحزن على الأموات

مع انتشار وباء كورونا وما تبعه من زيادة عدد الوفيات في بلادنا وغيرها ، لفت بعضُ الأحباب نظري إلى ظاهرةٍ لاحظ انتشارها في بعض البلدان ،وبخاصة في صعيد مصر ،ألا وهي امتناع كثير من المسلمين عن ذبح الأضاحي التي ربما يكونون قد اشتروها بالفعل ، وذلك حزناً على موتاهم ، أو مراعاة لشعور جيرانٍ لهم ،أو أقارب قد مات لهم ميت ، إذ إنهم يظنون أن في ذبح تلك الأضاحي نوعاً من الفرح الذي ينافي حزنهم على من فقدوه من أهلهم وأحبابهم .
وقد ذكَّرني ذلك بموقف وقع لي منذ زمن ليس بالقريب ، وذلك أني كنت أيام الشباب الباكر أقوم بالإمامة والخطابة في أحد مساجد بلدتنا . وفي يوم عيدٍ خرجنا لنصلي العيد في الخلاء إحياءً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعند مرورنا ببعض الطرقات لاحظ بعض المصلين أن هناك امرأة تقف أمام دارها ،وهي تصيح مشيرة إلينا .لكنا لم نتبين ماذا تقول ولا ماذا تقصد ؟ فلم نُعرْها اهتماماً ومضينا في طريقنا . لكن جاءني بعد أيام أحد أقارب تلك المرأة ،معتذراً عما بدر منها ، لأنها إنما كانت تسب شخصي الضعيف ،متهمةً إياي بأني شخص لا يعرف الواجب ،ولا يفهم في الأصول ، وذلك لأنه كان لها ابن شاب قد توفي منذ فترة وجيزة ،بل إنه بحسب تعبيرها لم ( يُربْعِن ) أي مر على وفاته أقل من أربعين يوماً . ومع ذلك فقد خرجت بالناس لصلاة العيد ، وكان يجب علينا -مراعاةً لشعورها هي وأهلها -أن لا نفعل ، وذلك لما يتضمنه فعلنا هذا من معنى إظهار الفرح والسرور ، في وقت هي فيه حزينة مكلومة .
وبالطبع فقد عذرت تلك المرأة المسكينة ، ودعوت لولدها بالرحمة ، ولها بالصبر والسلوان . لكني رجوت ذلك القريب أن يبلغها أن صلاة العيد شعيرة من شعائر الإسلام ، التي لا يمكننا تركها ،وأن اجتماع المسلمين لها لا ينافي ما قد يجده بعضنا من حزن على وفاة حبيب أو فقد قريب . وذلك لأن هذا الاجتماع ليس من جنس تلك الأفراح التي يقيمها الناس في مناسبات الزواج وغيره ،حتى يقال لنا : كيف تفرحون ونحن لدينا ميت أو مصيبة ؟ وإنما هو عبادة وطاعة نتقرب بها إلى الله عز وجل .
ونفس الشيء نقوله اليوم بخصوص شعيرة الأضاحي التي هي سنة من آكد سنن الإسلام ، بل ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها على القادر ، فإن في تلك الشعيرة من معاني العبودبة لله عز وجل ، وإحياء سنة الخليلين عليهما السلام ،ما يجعل المسلم القادر حريصاً عليها مهما كان حاله من الحزن أو الفرح أو غير ذلك .
والواجب على أهل الإسلام أن يرجعوا في كل شأنهم لأحكام الشريعة الغراء ،تاركين ما ألفوه من العادات والتقاليد المخالفة لهدي الإسلام . ولتكن لنا أسوة حسنة في أمهات المؤمنين كأم حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما ، فقد أخرج البخاري ( 5334) ومسلم ( 1486) وغيرهما عن زينب بنت أم سلمة قالت : ( دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين تُوُفِّيَ أبوهَا أبو سفيان بن حرب ، فدعت أم حبيبة بطيب فيه صُفرةٌ ، خَلُوقٌ أو غيره ، فدهنت منه جاريةً ، ثم مست بعارضيها ، ثم قالت : والله مالي بالطيب من حاجة ، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدُّ على ميت فوق ثلاث ليالٍ ، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً ). فقد حرصت رضي الله عنها على أن تمس شيئاً من الطيب بعد وفاة أبيها رغم عدم حاجتها إلى الطيب  ، وإنما فعلت ذلك كما يقول ابن حجر في فتح الباري لدفع صورة الإحداد ، أي حتى لا تكون في صورة المخالِفة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إحداد المرأة على غير زوجها فوق ثلاث ليالٍ. ونحو ذلك صح عن زينب بنت جحش رضي الله عنها لما توفي أخوها كما أخرجه البخاري ( 5335) ومسلم ( 1987) .
وليعلم هؤلاء الذين يريدون النكوص عن ذبح أضحياتهم ،أن الأضحية قد تتعين عليهم ،بمعنى أن يلزم ذبحها بعينها ،ويحرم العدول عن ذلك . وقد اختلف العلماء فيما تتعين به الأضحية . فمنهم من يقول إنها تتعين بمجرد النية كما هو قول الحنفية ، ومنهم من يقول إنها تتعين بالقول كأن يقول : هذه أضحية ،أو يقول : هي لله ،ونحو ذلك ، وهذا قول الشافعية والحنابلة .فعلى قول الحنفية فإنه إذا اشترى المسلم بهيمةً بنية الأضحية فإنها قد تعينت ،ويلزمه التضحية بها ،ولو لم يتلفظ بأنها أضحية . فأما إنْ تلفظ فقد تعينت عندهم وعند الشافعية والحنابلة أيضاً . وأما المالكية فالمشهور عندهم كما في الشرح الصغير للشيخ الدردير( 2/ 148) أنها لا تتعين إلا بالذبح ، وإن كان ابن قدامة قد نقل في المغني : ( 11/ 107) عن مالكٍ القولَ بأنها تتعين بالنية أي كقول الحنفية . والخلاصة أن من اشترى بهيمة بنية الأضحية فإنه لا يجوز له التراجع عن ذلك في قول بعض أهل العلم . فإنْ تلفظ بذلك حرم عليه التراجع في قول جمهور أهل العلم .  
ثم إن هذه الأضاحي هي من أقرب القربات التي فيها بإذن الله من الأجر والثواب ما لا يستغني عنه مسلم .وفيها من المسارعة لسد حاجة الفقراء والمساكين ما ينبغي أن يحرص عليه كل مسلم مريد للخير ،وبخاصة في وقتنا هذا -وقت الوباء- وما ترتب عليه من زيادة نسب الفقر ،وضيق الحال بكثير من الناس . بل إنه يمكن من خلال تلك الأضاحي إيصال النفع -بإذن الله- إلى ذلك الميت الذي تتحججون بأنكم تركتم الأضحية حزناً عليه . وذلك بأن ينوي المضحي إشراك الميت مع الأحياء في ثواب الأضحية ، فإن ذلك جائز كما ذكر الشيخ ابن عثيمين مستدلاً بكون النبي صلى الله عليه وسلم قد ضحى عن نفسه وعن أهل بيته ،وقال كما في الشرح الممتع ( 7/ 423) : ( وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي مِتن ، واللاتي على قيد الحياة ، وكذلك ضحى عن أمته ،وفيهم منهم هو ميت ) .بل يجوز أن تُنوى الأضحية كلها عن الميت في قول جمهور أهل العلم ، وذلك مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة كما في الموسوعة الفقهية الكويتية .وخالف في ذلك الشافعية فقالوا بعدم الجواز في المعتمد من مذهبهم ، لكن نقل الإمام النووي عنهم خلافاً في ذلك ،حيث قال رحمه الله في المجموع ( 8/ 406) : ( أما التضحية عن الميت، فقد أطلق أبو الحسن العبادي جوازها؛ لأنها ضرب من الصدقة، والصدقة تصح عن الميت وتنفعه وتصل إليه بالإجماع. وقال صاحب العدة والبغوي: لا تصح التضحية عن الميت إلا أن يوصي بها، وبه قطع الرافعي ). والأرجح قول الجمهور في جواز ذلك ؛ لأنها كما نقل النووي من جنس الصدقة التي وقع الإجماع  على وصول ثوابها للميت . هذا والله تعالى أعلى وأعلم
عبد الآخر حماد
عضو رابطة علماء المسلمين
8/ 12/ 1441هـ- 29/ 7/ 2020م
 

إقرأ ايضا